أ.د.عثمان بن صالح العامر
ثمة شعراء يمتلكون قدرة نادرة على تحويل التجربة الإنسانية إلى رؤية، والموقف العابر إلى حكمة، والكلمة الشعبية إلى مرآة تعكس أعماق النفس البشرية. وهؤلاء هم ما أنعتهم (بالشعراء الفلاسفة) الذين لا يكتفون بوصف الحياة، بل يعيدون تفسيرها.
وفي مشهد الشعر السعودي الشعبي تبرز أسماء عدة، هم نجوم في سماء الشعر لا تخفى، ومن بين هذه النجوم الساطعة في سمائنا الوطنية الشاعر (محمد المقحم) فهو -في نظري- أحد الأصوات الفلسفية التي تأسر المتلقي -أياً كان مستواه الثقافي ومقدار ذائقته الأدبية- لا بفخامة المكان الذي يقطنه ولا الضجيج الذي يسبقه، وإنما بما تحمله قصائده من عمق في الرؤية، وقدرة على تفكيك المشاعر الإنسانية، وسبر أغوار النفس، والغوص في المناطق التي يعجز عنها التعبير المباشر مع بساطة اللغة ووضوحها.
إن ما يميز فلسفة المقحم أنها لا تأتي متكلَّفة ولا متعالية، بل تنبع من الحياة ذاتها، من تفاصيلها الصغيرة، ومن تأملاتها الصامتة. فهو لا يكتب عن الإنسان من الخارج، وإنما يكتب من داخله، وكأنه يعايش صراعاته وأسئلته وحيرته، ثم يعيد صياغتها في صور شعرية تجعل القارئ يرى نفسه بين السطور.
وتتجلَّى فرادة تجربته في قدرته على إعادة قراءة الكلمة. فالمفردة عنده ليست مجرد وعاء للمعنى، وإنما كائن حي يحمل تاريخًا وإحساسًا وظلالًا متعددة. لذلك قد يقرأ القارئ البيت أكثر من مرة، وفي كل قراءة يكتشف معنى جديدًا لم يكن حاضرًا في القراءة الأولى. وهذه إحدى سمات الشعر الفلسفي الحقيقي؛ إذ لا يستهلك معناه من القراءة الأولى، بل يتجدد مع الزمن وتجدد التجربة الإنسانية.
كما يمتلك المقحم حسًا تحليليًا يجعل القصيدة أقرب إلى رحلة في النفس البشرية. فهو يلتقط التناقضات الإنسانية، ويعرضها دون أحكام مسبقة، ويترك للقارئ مساحة واسعة للتأمل. هو لا يقدِّم إجابات جاهزة، وإنما يوقظ الأسئلة، ويجعل من الحيرة بدايةً للمعرفة، ومن التأمل طريقًا لفهم الذات.
ولعل أجمل ما في فلسفته أنها لا تنفصل عن القيم الإنسانية، فلا يغرق في التجريد، ولا يبتعد عن نبض الحياة، وإنما يمزج الحكمة بالعاطفة، والعقل بالإحساس، حتى تبدو القصيدة وكأنها حوار هادئ بين القلب والفكر. وهذا اللون من الشعر هو الذي يبقى، لأنه يخاطب الإنسان في كل زمان ومكان.
ليس من المبالغة القول إن بعض القصائد لا تُقرأ بوصفها نصوصًا شعرية فحسب، بل بوصفها مواقف فكرية ورؤى للحياة. فالشاعر الفيلسوف لا يصف العالم كما هو، وإنما يكشف ما وراء ظواهره، ويعيد ترتيب العلاقات بين الإنسان والزمن، وبين الأمل والانكسار، وبين الصمت والكلام.
لقد أثبت محمد المقحم أن الشعر يستطيع أن يكون مدرسة في التفكير كما هو مدرسة في الجمال، وأن القصيدة ليست زينة لغوية، بل وسيلة لاكتشاف الذات، وإضاءة المناطق المعتمة في الوجدان الإنساني. حتى إن المتلقي يخرج من سماعه للمقحم وهو يحمل فكرة جديدة، أو سؤالًا جديدًا، أو رؤية أكثر عمقًا للحياة.
إن الشعراء الفلاسفة قليلون إذا أخذناهم نسبة وتناسب في ساحتنا الشعرية اليوم، لأن الجمع بين حرارة الشعور وعمق الفكر موهبة استثنائية. ومحمد المقحم يقدم نموذجًا لهذا التوازن الرائع، إذ يكتب بعين الشاعر التي ترى الجمال، وبعقل الفيلسوف الذي يبحث عن الحقيقة، وبقلب الإنسان الذي يعرف أن أعظم القصائد هي تلك التي تجعلنا نفهم أنفسنا قبل أن نفهم الآخرين.
سلام لكل قارئ يعشق الشعر الفلسفي ويستمتع ويطرب له ويغوص في أعماقه، سلام خاص للمبدع بامتياز (محمد المقحم) الذي لا يعرفني ولم أتشرف بمعرفته الشخصية إلا من خلال فلسفته الشعرية فحسب، دمتم بخير، وإلى لقاء، والسلام.