نجلاء العتيبي
في كل بيتٍ أمنيةٌ أن يرى الأبوان أبناءهما في أفضل حالٍ؛ ولذلك قد يظنان أن المقارنة وسيلة تدفعهم إلى الاجتهاد، لكنها في كثير من الأحيان تُحدث أثرًا معاكسًا، فما يبدو تشجيعًا في نظر الكبار قد يصل إلى الابن رسالةً مختلفة تمامًا، مفادها أنه لا يكفي مهما بذل، وأن قيمته تقاس بما يحققه غيره، لا بما يحققه هو، وهنا تبدأ علاقة الإنسان بنفسه في الاضطراب قبل أن تتأثر علاقته بأسرته.
لكل إنسانٍ رحلة لا تشبه رحلة غيره، وقدرات لا تتطابق مع أحدٍ، وظروف لا يراها إلا هو، فهناك من وصل بعد سنواتٍ من المحاولات، ومن تجاوز عوائق عدة، ومن حمل همومًا لا يعلمها أحد؛ لذلك تبدو المقارنة حكمًا يصدر قبل معرفة الحقيقة كاملة؛ فالنتائج قد تتشابه، لكن الطرق التي أوصلت إليها تختلف اختلافًا كبيرًا.
حين يُقال للابن: انظر إلى فلان، أو لماذا لا تصبح مثل غيرك، فإن المقارنة لا تظلم شخصًا واحدًا، وإنما تظلم الطرفين معًا؛ فالابن الذي يسمعها يشعر بأن جهده غير مرئي، وأن محاولاته لا تستحق التقدير، بينما الابن الذي يقدم نموذجًا للمقارنة يتحول إلى معيار دائم، فيحمل عبئًا لا يريده، وقد يعيش خوفًا مستمرًّا من فقدان تلك الصورة التي رسمها الآخرون له.
والأشد ألمًا أن المقارنات تضعف الثقة داخل الأسرة، فالابن لا يعود يبحث عن التطور، وإنما يحاول الهروب من النقد أو إثبات أنه ليس أقلَّ من غيره. ومع مرور الوقت يصبح النجاح وسيلةً لنيل القبول، لا ثمرةً للشغف أو الاجتهاد، وعندما يرتبط الإنجاز بالخوف، يفقد الإنسان جزءًا كبيرًا من متعة التعلم والسعي.
كما أن المقارنة تغفل حقيقةً تربوية مهمة، وهي أن التفوق ليس قالبًا واحدًا، فقد يبرع أحد الأبناء في الدراسة، ويتميز آخر في الإبداع، ويملك ثالث قدرةً لافتة على التواصل أو التفكير التحليلي أو الابتكار، وإذا انشغلنا بقياس الجميع بالمقياس نفسه، فقد نهمل مواهب كان يمكن أن تزدهر لو وجدت من يراها ويؤمن بها.
وأظهرت دراسة نشرت عام 2025 في مجلة Frontiers in Psychology أن المقارنات المتكررة التي يجريها الوالدانِ بين أبنائهم والآخرين ترتبط بانخفاض تقدير الذات لدى المراهقين، وأن هذا الأثر يزداد مع ميل الأبناء إلى مقارنة أنفسهم بمن يرونهم أفضل منهم.
فالتربية الناجحة لا تُبنى على صناعة نُسخ متشابهة، وإنما على اكتشاف ما يميز كل ابنٍ، ثم مساعدته على تطويره؛ فالطفل الذي يُقارن بغيره يتعلَّم مراقبة الآخرين، أما الطفل الذي يُقارن بنفسه في الأمس، فيتعلم مراقبة تقدمه هو، وهذا الفرق يصنع شخصية مستقلة تعرف أن النجاح رحلة مستمرة، لا سباقًا مع الناس.
وليس المطلوب أن نخفض سقف التوقعات، ولا أن نكتفي بالقليل، وإنما أن يكون المعيار عادلًا، فالإنصاف يقتضي أن ننظر إلى الجهد قبل النتيجة، وإلى الظروف قبل الأحكام، وإلى الإنسان قبل المقاييس، وعندما يشعر الأبناء أن قيمتهم محفوظة مهما اختلفت قدراتهم، يصبحون أكثر استعدادًا للتعلم، وأكثر شجاعة في خوض التجارب، وأكثر ثقةً بأنفسهم، فكل إنسان يملك طريقه الخاص، ولا أحد يعرف مقدار التعب والحرمان والصبر الذي سار فيه حتى وصل إلى المكان الذي يقف فيه اليوم؛ ولذلك تبقى المقارنة من أكثر الأحكام ظلمًا؛ لأنها تقيس النهايات، وتتجاهل القصص الطويلة التي صنعتها.
ضوء
«عبِّر عن نفسك بصدقٍ، وثق بها، لا تخرج وتبحث عن شخصية ناجحة لتُكرّرها وتُقلّدها». - بروس لي.