د. رنا بنت عبدالله الغامدي
في النادي الرياضي الذي أرتاده، هناك سيدة في أواخر الستينيات من عمرها، تحضر كل صباح تقريبًا لممارسة السباحة والتمارين الرياضية. تأتي بخطوات واثقة، ونشاط واضح، ولو لم تخبرني بعمرها لظننت أنها أصغر بعشر سنوات أو أكثر. وتُحضر معها كل يوم دلة من القهوة السعودية وطبقًا من التمر الفاخر، تضعهما في مكان ظاهر، ثم تدعو من حولها ببساطة ومحبة: «تفضلوا، حياكم على قهوتي»، وللقهوة التي تعدّها حكاية أخرى؛ فهي تحرص على تحميص البن وإعداده بنفسها، ولذلك كان مذاق قهوتها مختلفًا، يزداد جمالًا بكرم صاحبتها وحسن ضيافتها.
ذات يوم، دار بيني وبين راعية القهوة، وهو الاسم الذي كنت قد أطلقته عليها في ذهني، حديث لطيف، وأنا أستمتع بقهوتها، كانت تحكي عن أهمية النادي في حياتها، وكيف انعكس انتظامها فيه بصورة ملحوظة على صحتها، فأصبحت توزع وقتها فيه بين السباحة وتمارين المقاومة والمرونة، أعطتني رقم هاتفها وحين هممت بتسجيله قالت لي ضاحكة: «لا تسجليني باسم راعية القهوة، اكتبي اسمي»، ثم أخبرتني بأن اسمها غالية. ضحكت في سري، كيف عرفت نيتي؟ فنحن كثيرًا ما نختصر الناس في هواتفنا وفي ذاكرتنا بصفة أو موقف عرفناهم من خلاله: أم فلان، زميلة النادي، صاحبة الورد، جارنا الكريم، أو ذلك الشخص الذي ساعدنا يومًا ثم مضى، قد ننسى الاسم، لكن الموقف الذي جمعنا بصاحبه يظل راسخاً في الذاكرة. كانت راعية القهوة مثالًا واقعيًا على أن النشاط البدني لا يرتبط بعمر محدد، وأن الطريقة التي نتقدم بها في السن تتأثر كثيرًا بما نواظب عليه من أجل صحتنا. وقد لفتني انتظام غالية أكثر حين قرأت في أحدث إحصاءات الهيئة العامة للإحصاء أن واحدًا فقط من كل ثلاثة من كبار السن السعوديين يمارس النشاط البدني بانتظام، في حين يعاني من السمنة نحو واحد من كل أربعة من سكان المملكة في عمر 15 سنة فأكثر، وهي أرقام تجعل تشجيع ممارسة الرياضة في مختلف مراحل العمر ضرورة صحية، وتنسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في بناء مجتمع حيوي ينعم أفراده بنمط حياة صحي.
فئة كبيرة من المجتمع تنظر أحيانًا إلى الرياضة باعتبارها وسيلة لإنقاص الوزن أو تحسين المظهر، مع أن أهميتها بعد الثلاثين تصبح أعمق من ذلك بكثير. ففي هذه المرحلة العمرية تبلغ الكتلة العضلية والقوة ذروتهما تقريبًا، ثم تبدآن بالتراجع تدريجيًا مع التقدم في العمر إذا لم نحافظ عليهما بالحركة والتدريب. ولا يتعلق الأمر بالرجال وحدهم؛ فالنساء كذلك يحتجن إلى حماية عضلاتهن، وتزداد أهمية ذلك مع التقدم في العمر وما بعد انقطاع الطمث. الكتلة العضلية ليست مجرد مظهر لنمط الحياة الرياضي؛ بل هي ما يساعد الإنسان على النهوض، وصعود الدرج، وحمل أغراضه، والمحافظة على توازنه واستقلاليته، ولهذا لا تكفي التمارين الهوائية كالسباحة والمشي وحدها، رغم أهميتها للقلب والتنفس والمزاج، بل ينبغي أن يصاحبها تدريب مقاومة يناسب العمر والحالة الصحية، ولو يومين أسبوعيًا، إلى جانب تمارين التوازن والمرونة.
لم تكن غالية تمارس الرياضة لتبدو أصغر سنًا، بل لتحافظ على صحتها وقوتها وقدرتها على الاعتماد على نفسها؛ فالتقدم في العمر لا يعني التوقف عن الحركة. ومن منظوري الشخصي، أرى أن التوقف عن الحركة والنشاط البدني هو توقف عن الحياة، لذلك أتمنى أن تصبح ممارسة الرياضة عادة يومية لدى الجميع، لا ترتبط بعمر معين، ولا تبدأ فقط عند الرغبة في إنقاص الوزن.
أخيرًا، سجلتها في هاتفي باسمها الحقيقي كما طلبت، لكنني أعرف أن ذاكرتي ستحتفظ بها أيضًا باسم «راعية القهوة»؛ لأن قهوتها اللذيذة كانت أول أبواب التعارف بيننا. فيا ترى، بأي اسم سيحتفظ بنا الآخرون في ذاكرتهم؟ وما الصفة التي ستسبق أسماءنا حين يتحدثون عنا؟