علي حسن حسون
لم أتخيل يوماً أن أقف في طابور يمتد لأكثر من خمسين دقيقة من أجل الحصول على علبة فشار ومشروب قبل دخول قاعة السينما. كان من المفترض أن تكون تلك الدقائق جزءاً من متعة التجربة، لكنها تحولت إلى حالة من الإرهاق والتذمر، حتى شعرت أن الانتظار أصبح أطول من متعة الفيلم نفسه. ما يدعو للاستغراب أن هذا المشهد يتكرر وسط أعداد كبيرة من الزوار، دون وجود حلول عملية أو تنظيم يخفف من ازدحام الطلبات، أو حتى مبادرات بسيطة تجعل وقت الانتظار أقل ثقلاً. فحين يتجمع مئات الأشخاص أمام أكشاك بيع المأكولات والمشروبات، يصبح من الضروري أن تكون هناك إدارة قادرة على استيعاب هذا التدفق، لا أن يُترك الجمهور واقفاً في طوابير لا تتحرك إلا ببطء شديد.
إن تجربة العميل لا تبدأ عند جلوسه على مقعده داخل قاعة العرض، بل تبدأ منذ لحظة دخوله إلى دار السينما. وكل دقيقة يقضيها في الانتظار تشكل جزءاً من انطباعه النهائي عن المكان. لذلك فإن تجاهل هذه المرحلة يعني خسارة أهم عنصر في صناعة الترفيه، وهو رضا العميل. الأمر لا يتعلق بالفشار أو المشروب بقدر ما يتعلق بقيمة الوقت. فمن غير المنطقي أن يقضي الزائر وقتاً في الانتظار قد يتجاوز زمن مشاهدة الفيلم نفسه. والأسوأ من ذلك أن إجمالي الوقت الذي أمضيته داخل دار السينما، منذ الوصول وحتى المغادرة، كان أطول من مدة رحلة جوية من الرياض إلى دبي. وهذه مقارنة تدعو إلى إعادة النظر في مفهوم تجربة العميل وآلية إدارة الخدمات.
ومن المؤسف أن يشعر الزائر، بعد كل هذا الانتظار، بأنه لن يكرر التجربة مرة أخرى. فدور السينما لا تنافس اليوم على جودة الأفلام فقط، بل تتنافس أيضاً على جودة الخدمة، وسرعة الإنجاز، وسهولة الحصول على الخدمات المساندة، ومدى احترام وقت العميل.
إلى القائمين على دور السينما في الرياض.. إن نجاحكم لا يُقاس بعدد شاشات العرض أو أحدث التقنيات، بل يقاس بمدى رضا الجمهور عن تجربته الكاملة. فزيادة عدد نقاط البيع، وتطوير أنظمة الطلب والدفع، وإتاحة الطلب المسبق عبر التطبيقات، وتخصيص مسارات سريعة لاستلام الطلبات، كلها حلول أصبحت معياراً في صناعة الترفيه الحديثة. كما أن تقديم مبادرات بسيطة أثناء أوقات الازدحام، أو تعويض العملاء المتضررين من التأخير، يعكس احترام المؤسسة لزوارها ويعزز ولاءهم. إن الجمهور ليس مجرد مشترٍ لتذكرة، بل هو الشريك الحقيقي في نجاح دور السينما واستمرارها. وإذا فقد ثقته بالتجربة، فلن يكون الفيلم وحده كافياً لإعادته مرة أخرى.
الاهتمام بتجربة العميل لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة. فالجمهور قد ينسى اسم الفيلم الذي شاهده، لكنه لن ينسى أبداً كيف كانت تجربته، وكيف تم التعامل مع وقته واحترامه.