د.شامان حامد
الغاية من التسويق والإعلام ليست مجرد إحداث الضجيج في الأسواق، بل صناعة الأثر المستدام الذي يبني الإنسان ويطور المجتمع ويصون قيمَه، فعندما تنسكب الأموال الرقمية اليوم في شرايين سوق الإعلانات والمنصات عبر العالم العربي بغزارة استثنائية؛ علينا ألا ننساق وراء الشاشات المضيئة والأرقام المليونية العابرة دون تفكيك جوهر هذا الإنفاق وتداعياته على المستويات الاقتصادية، الاجتماعية، والسلوكية. فمنصات التواصل الاجتماعي أضحت صالوناً اجتماعياً وسوقاً تجارية حية في المنطقة العربية وتقف اليوم على مفترق طرق حرج، وبدأت رسمياً مرحلة النقد الاستراتيجي لوهم التأثير ومواجهة الاستنزاف الرقمي القائم على غياب العائد والتأثير السلبي العميق.
ولعل التقارير والبيانات الحديثة، وفي مقدمتها مؤشرات نضج الإعلان الرقمي في المنطقة العربية وشرق الأوسط، تكشف عن فجوة هيكلية ومقلقة: إذ يُسجَّل فارق يصل إلى 8 نقاط مئوية بين معدل نمو الإنفاق الإعلاني الرقمي ومعدل نمو التجارة الإلكترونية الفعلية وقيمة التحويلات الاقتصادية الملموسة، مما يعكس خللاً بنيوياً واستنزافاً لميزانيات الشركات والمؤسسات العربية في «صندوق أسود» من الانطباعات الوهمية التي لا تثمر قيمة مضافة للاقتصاد الحقيقي. وقد اعتمدت النماذج التسويقية في العالم العربي خلال العقد الماضي على منطق الوصول الكمي العريض وتضخيم أرقام المشاهدات. إلا أن غياب أدوات القياس المتكاملة، والانفصال التام بين المحتوى الإبداعي والسياق الثقافي المحلي، حوّلا الجزء الأكبر من الميزانيات إلى استثمارات هشة تُهدر على خوارزميات غير شفافة وتطبيقات تعتمد على التفاعل العابر، مما جعل لها الأثر السلبي للزخم الرقمي بتغذية الضلالات واستنزاف القيم، بل يتعداها إلى المردود الاجتماعي والأخلاقي لسطوة هذه المنصات الموجهة في المنطقة العربية. إن التسويق والإعلام ليسا مجرد أدوات لبيع السلع، بل هما قوتان ناعمتان تشكلان بنية الوعي الجمعي والمنظومة القيمية للأمة. وهناك دراسات مسحية للوسائط المتقاطعة والسلوك الاستهلاكي في المنطقة العربية تؤكد أن أكثر من 30 % من المستهلكين يشعرون بوجود اغتراب ثقافي وافتقار حقيقي للملاءمة في الرسائل الإعلانية الرقمية.
والدليل ما كشفه تحليل الوسائط المتقاطعة الصادر عن مؤسسة «كانتار» لعام 2025 والمتعلق بأسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن ما يقارب 70 % من التأثير والتحويل الذي تقوده المنصات الرقمية لا يأتي من أداء منصة واحدة بمعزل عن غيرها، بل ينشأ عبر التفاعل المتسلسل والمتقاطع بين قنوات متعددة. والمستهلك العربي اليوم يتنقل عبر بيئات رقمية متداخلة، ليكتشف المنتج في منصة اجتماعية، ثم يمحص الآراء عبر المحركات والمدونات، ويقارن العروض قبل اتخاذ قرار الشراء. وبالتالي، فإن اختزال عملية التقييم الرقمي في القناة الأخيرة أو الاستمرار في ضخ الأموال في منصة واحدة فقط دون بناء رحلة مستهلك متكاملة، يمثل هفوة استراتيجية تتسبب في هدر الموارد المتاحة.
إن العالم العربي، وهو يسعى جاهداً إلى الاستثمار في الاقتصاد الرقمي وتطوير بنيته التحتية، لا يملك رفاهية الاستمرار في الإنفاق الإعلاني العشوائي الذي يغذي الفقاعات الرقمية والمحتوى الهابط. إن الانتقال من مرحلة التوسع الكمي إلى مرحلة النضج والفاعلية يقتضي بالضرورة الانضباط المنهجي، والقياس الدقيق المعزز بالبيانات، وربط كل دينار أو ريال ينفق بنتيجة أعمال حقيقية وقابلة للقياس، بالتوازي مع التزام أخلاقي صريح يراعي القيم الثقافية والاجتماعية للجمهور العربي.