د. يحيى جابر
وفي المقابل أسهم الهجاء في إسقاط المكانة الاجتماعية لبعض الأشخاص والقبائل، وهو ما يوازي اليوم الدور الذي تؤديه وسائل الإعلام في بناء الصورة الذهنية للشخصيات العامة وصناع القرار، «المصدرـ ابن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء؛ ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه»..
ولعب الشعر أيضًا دورًا بارزًا في توثيق البيئة العربية، إذ وصف الجبال والوديان والسهول والنجوم والأمطار والنباتات والحيوانات وطرق القوافل والأسواق، ولذلك اعتمد عليه المؤرخون والجغرافيون في إعادة رسم صورة الحياة في الجزيرة العربية قبل الإسلام، ولم يعد مجرد نص أدبي، بل أصبح وثيقة إعلامية وتاريخية واجتماعية ذات قيمة علمية كبيرة، ومن الجوانب المهمة أن الشعر الجاهلي أسهم في نشر الثقافة والمعرفة بين الناس، فكان ينقل الخبرة الإنسانية، ويعلم الأجيال مكارم الأخلاق، ويعرض التجارب والحكم، ويحذر من الأخطاء، ويبرز نتائج الحروب والتحالفات، ولذلك يمكن اعتباره وسيلة للتثقيف الجماهيري قبل ظهور المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام الحديثة، ويؤكد علماء الإعلام أن الرسالة الناجحة هي التي تجمع بين المعلومة والتأثير، وهو ما حققه الشعر الجاهلي بامتياز؛ فقد قدم معلومات دقيقة عن المجتمع العربي، وصاغها في قالب بلاغي مؤثر يسهل حفظه وتناقله، فبقيت تلك الرسائل حية في الذاكرة العربية أكثر من ألف و500عام، وأصبحت مصدرًا رئيسيًا للأدباء والمؤرخين والباحثين في الإعلام والاتصال.
ومن هنا يمكن النظر إلى الشعر الجاهلي بوصفه أول مؤسسة إعلامية شعبية في التاريخ العربي، فقد جمع بين الإخبار، والتوثيق، والتفسير، والإقناع، والتأثير، وحماية الهوية، وصناعة الرأي العام، وإدارة السمعة، ونقل الثقافة، وهي وظائف ما زالت تمثل الركائز الأساسية للإعلام الحديث مع اختلاف الوسائل والتقنيات فقط، أما جوهر الرسالة الإعلامية فقد ظل ثابتًا عبر العصور.
ومن أبرز الأدلة على القوة الإعلامية للشعر الجاهلي أن عددًا من القصائد تجاوز حدود قبائل أصحابها، وانتشر في أنحاء الجزيرة العربية حتى أصبح معروفًا لدى مختلف القبائل، واستمر تأثيره بعد مئات السنين بفضل الرواة والعلماء وكتب الأدب. فقد عُدت المعلقات أشهر نموذج للإعلام الجماهيري في العصر الجاهلي، لأنها جمعت بين جودة الرسالة وقوة التأثير وسعة الانتشار، حتى أصبحت تُحفظ وتُروى في الأسواق والمنتديات الأدبية، وتُدرس إلى يومنا هذا، «المصدرـ الزوزني، شرح المعلقات السبع؛ شوقي ضيف، العصر الجاهلي».
ومن أشهر تلك القصائد معلقة امرئ القيس التي نقلت صورة دقيقة عن حياة العرب، ووصف الصحراء، والرحلات، والفروسية، والعلاقات الاجتماعية، حتى أصبحت من أكثر القصائد تداولًا بين الرواة، كما اشتهرت معلقة زهير بن أبي سلمى لما حملته من رسائل تدعو إلى الصلح ونبذ الحرب، بعد حرب داحس والغبراء، فكانت نموذجًا مبكرًا للإعلام الداعي إلى السلم الاجتماعي، بينما خلدت معلقة عنترة بن شداد قيم الشجاعة والبطولة والدفاع عن الكرامة، وأصبحت رمزًا إعلاميًا للفروسية العربية، في حين اشتهرت معلقة طرفة بن العبد بطرحها قضايا الشباب والحياة والموت.
أما معلقة لبيد بن ربيعة فقد تميزت بالحكمة والتأمل، ونالت مكانة كبيرة بين العرب، كما برزت معلقة عمرو بن كلثوم بوصفها من أقوى القصائد التي دافعت عن كرامة قبيلتها، وأثرت في الرأي العام القبلي، فيما اشتهرت معلقة الحارث بن حلزة اليشكري لأنها ألقيت أمام الملك عمرو بن هند للدفاع عن قبيلته بالحجة والبيان، وهي تمثل نموذجًا مبكرًا للإعلام الترافعي والدفاع عن الحقوق، «المصدرـ الزوزني، شرح المعلقات السبع؛ أبو الفرج الأصفهاني، كتاب الأغاني»، ولم تقتصر شهرة الشعر الجاهلي على المعلقات، بل انتشرت كذلك قصائد النابغة الذبياني التي تناولت السياسة والعلاقات بين القبائل، وقصائد الأعشى التي وصفت الأسواق والتجارة والملوك، وقصائد الشنفرى وفي مقدمتها لامية العرب التي أصبحت من أكثر النصوص تداولًا في الأدب العربي لما حملته من قيم الاعتزاز بالنفس وقوة الأسلوب، كما ذاعت قصائد تأبط شرًا بين العرب لما تميزت به من وصف للمغامرة والجرأة، «المصدر ـ ابن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء؛ ابن قتيبة، الشعر والشعراء»، وتؤكد هذه النماذج أن الشعر الجاهلي لم يكن مجرد إنتاج أدبي، بل كان وسيلة إعلام جماهيرية قادرة على نشر الأخبار، وصناعة الرموز، وتوجيه الرأي العام، وتوثيق الأحداث، وبناء الصورة الذهنية للأفراد والقبائل، حتى إن كثيرًا من أسماء الشعراء ما زالت حاضرة في الذاكرة العربية بعد أكثر من 1500 عام، وهو دليل على قوة الرسالة الإعلامية عندما تجمع بين المصداقية والبلاغة وسعة الانتشار، «المصدرـ ابن خلدون، المقدمة؛ محمد عبد الحميد، نظريات الإعلام واتجاهات التأثير؛ شوقي ضيف، العصر الجاهلي».
وإذا كان نجاح أي وسيلة إعلامية يقاس بمدى استمرار رسالتها وتأثيرها عبر الزمن، فإن الشعر الجاهلي يمثل أحد أنجح النماذج الإعلامية في التاريخ العربي؛ إذ بقيت قصائده حاضرة في الذاكرة الجمعية لأكثر من 15 قرنًا، وتناقلتها الأجيال حفظًا وروايةً وكتابةً، واعتمدت عليها الجامعات ومراكز البحث في دراسة التاريخ واللغة والأدب والإعلام، وهو ما يؤكد أن الرسالة الإعلامية الناجحة لا ترتبط بوسيلة النشر بقدر ارتباطها بقوة المضمون وصدق التأثير، «المصدرـ ابن خلدون، المقدمة؛ شوقي ضيف، العصر الجاهلي»،
وفي رأيي، أن هذا دليل على قوة الرسائل التي كانت تهم حياة الناس في تلك المرحلة وهي رسائل إعلامية تصدر من المرسل ومصدر الرسالة وهو الشاعر الذي اتاه الله مهارة البلاغة الشعرية في زمن كان حلم آلاف البشر أن يكونوا شعراء إلم يكن جميعهم شعراء، يحسنون الوصف والبلاغة وإرسال الرسائل، تصدرهم شعراء الجاهلية التي بقت أسمائهم حتى يومنا الحالي، وكل هذا يندرج في ممارسة الإعلام بكل معانية، ومن اللافت أن كثيرًا من الأساليب الإعلامية المعاصرة يمكن العثور على جذورها في الشعر الجاهلي؛ فقد استخدم الشعراء الإثارة لجذب الانتباه، والتكرار لترسيخ الرسالة، والوصف الدقيق لبناء الصورة الذهنية، والمقارنة للإقناع، والسرد القصصي لتقريب الأحداث إلى الجمهور، كما اعتمدوا على مخاطبة العاطفة والعقل معًا، وهي أدوات ما زالت تمثل أساس صناعة المحتوى الإعلامي الحديث، سواء في الصحافة أو الإذاعة أو التلفزيون أو المنصات الرقمية، كما تكشف دراسة الشعر الجاهلي أن المجتمع العربي أدرك مبكرًا أهمية المحتوى قبل الوسيلة؛ فالشاعر الذي يمتلك رسالة قوية وأسلوبًا مؤثرًا كان قادرًا على الوصول إلى آلاف الأشخاص رغم غياب التقنيات، بينما قد يفشل صاحب الرسالة الضعيفة مهما امتلك من وسائل، وهذه الحقيقة ما تزال تؤكدها دراسات الإعلام الحديثة التي ترى أن جودة المحتوى هي العامل الحاسم في نجاح الرسائل الإعلامية واستمرار تأثيرها، «المصدرـ دينيس ماكويل، نظرية الاتصال الجماهيري؛ محمد عبد الحميد، نظريات الإعلام واتجاهات التأثير».
واليوم، ومع التطور الهائل في وسائل الاتصال، لا يزال الإعلام الحديث يستفيد من كثير من المبادئ التي رسخها الشعر الجاهلي، مثل قوة اللغة، والإيجاز، وبناء الرسائل المؤثرة، وصناعة الصورة الذهنية، وكسب ثقة الجمهور، والمحافظة على الهوية الثقافية، ولذلك فإن دراسة الشعر الجاهلي لا تقتصر على أقسام الأدب واللغة العربية، بل أصبحت جزءًا من الدراسات الإعلامية والاتصالية التي تبحث في نشأة الاتصال الجماهيري وتطور أدوات التأثير في المجتمعات الإنسانية، «المصدرـ عبد الله الغذامي، النقد الثقافي؛ محمد عبد الحميد، نظريات الإعلام واتجاهات التأثير»
ومن هنا يمكن القول إن الشعر الجاهلي لم يكن مجرد قصائد تتغنى بالفروسية أو تصف الصحراء، بل كان جهازًا إعلاميًا متكاملًا سبق ظهور الصحافة والإذاعة والتلفزيون والمنصات الرقمية بقرون طويلة، واستطاع أن يؤدي وظائف الخبر، والتحليل، والتوثيق، والإقناع، والدعاية، والعلاقات العامة، وصناعة الرأي العام، وبناء الهوية، وحفظ التاريخ، حتى الصورة الصحفية التي تصدر من كاميرا التصوير الآن، كانت يصورها الشاعر صورة ذهنية كأنك تراها، ولم يكن الشعر في العصر الجاهلي فنًا أدبيًا يُلقى في المجالس للتسلية أو التفاخر فحسب، بل كان الوسيلة الإعلامية الأكثر تأثيرًا في المجتمع العربي قبل الإسلام، إذ اضطلع بوظائف نقل الأخبار، وصناعة السمعة، والدفاع عن القبيلة، والتحريض في الحروب، والدعوة إلى السلم، وتوثيق الأحداث، حتى غدا الشاعر المتحدث الرسمي باسم قومه، ولسانهم الذي يعبّر عن مواقفهم، ويحفظ تاريخهم، ويؤثر في الرأي العام بين القبائل، «المصدرـ ابن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء، تحقيق محمود محمد شاكر».
ولأن المجتمع الجاهلي كان يعتمد على الرواية الشفهية أكثر من الكتابة، فقد اكتسبت الكلمة الموزونة قوة استثنائية، إذ يسهل حفظها وتناقلها في الأسواق الكبرى مثل عكاظ وذي المجاز ومجنة، فتنتشر بين الناس بسرعة، وتتحول إلى خطاب اجتماعي وسياسي مؤثر، وهو ما جعل الشعر يؤدي وظائف تشبه إلى حد بعيد وظائف وسائل الإعلام الحديثة، «المصدرـ ابن قتيبة، الشعر والشعراء»، ومن أبرز شعراء الجاهلية امرؤ القيس، الذي استطاع أن يجعل من قصيدته رسالة جماهيرية تستوقف السامع منذ مطلعها الشهير:
قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ
ويلاحظ أن افتتاح القصيدة بصيغة النداء والمشاركة «قفا» يلفت انتباه المتلقي ويدفعه إلى التفاعل مع الرسالة منذ بدايتها، وهي تقنية بلاغية تؤدي وظيفة مشابهة لما يعرف اليوم بجذب انتباه الجمهور في الرسائل الإعلامية، كما أن دقة الوصف ورسم المشاهد أكسبت النص قدرة كبيرة على التأثير والانتشار، «المصدر ـ عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز»، أما زهير بن أبي سلمى فقد اتخذ من الشعر منبرًا للحكمة والإصلاح الاجتماعي، ومن أشهر أبياته:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم
وما هو عنها بالحديث المرجم
وفي هذا البيت لا يخاطب زهير العاطفة وحدها، بل يخاطب العقل والتجربة، محذرًا من آثار الحروب بعد أن عايشها العرب سنوات طويلة، لذلك يعد شعره نموذجًا مبكرًا للخطاب التوعوي الذي يسعى إلى بناء الوعي المجتمعي، «المصدرـ ابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده،».
ويبرز عنترة بن شداد نموذجًا للإعلام التعبوي الذي يرفع الروح المعنوية، ويغرس قيم الشجاعة والوفاء، إذ يقول:
ولقد ذكرتك والرماح نواهلٌ
مني وبيض الهند تقطر من دمي
وقد جمع عنترة بين البطولة والعاطفة في صورة بلاغية مؤثرة، فكان شعره يحفز المقاتلين، ويعزز صورة الفارس العربي في الوعي الجمعي، وهي وظيفة تؤديها اليوم الرسائل الإعلامية ذات البعد الوطني، ويأتي طرفة بن العبد ليقدم صورة أخرى من الوعي بالحياة وتقلباتها، ومن أشهر أبياته:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وقد بقي هذا البيت متداولًا حتى يومنا هذا لما يحمله من دلالة عميقة على انتقال الأخبار وتبدل المعارف مع الزمن، وهو ما يعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية تداول المعلومات في حياة المجتمعات، ويبرز عمرو بن كلثوم بوصفه أحد أبرز من استخدم الشعر في ترسيخ صورة القبيلة وتعزيز هيبتها أمام الآخرين، وهو ما يعرف في الدراسات الإعلامية الحديثة ببناء الصورة الذهنية والهوية الجماعية. ففي معلقته الشهيرة يقول:
إذا بلغ الفطام لنا صبيٌّ
تخرُّ له الجبابر ساجدينا
ورغم ما في البيت من مبالغة بلاغية، فإنها كانت مقبولة في سياق الفخر الجاهلي، إذ تؤدي وظيفة نفسية وإعلامية تتمثل في رفع معنويات أبناء القبيلة، وإشعار الخصوم بقوتها وهيبتها، ولذلك كانت المعلقات تُلقى في المحافل الكبرى، فتسهم في تشكيل الانطباعات العامة عن القبائل ومكانتها، أما الحارث بن حلزة اليشكري فقد قدم نموذجًا مبكرًا لما يمكن تسميته اليوم بالإعلام الدفاعي أو إعلام المرافعة، حين أنشد معلقته أمام الملك عمرو بن هند للدفاع عن قومه بني بكر والرد على خصومهم من بني تغلب، ولم يعتمد على الانفعال، بل استند إلى سرد الوقائع واستحضار التاريخ والاحتجاج بالحجج، فكانت قصيدته وثيقة إعلامية وسياسية نجحت في إيصال رسالة قومه إلى أعلى سلطة آنذاك، ويأتي لبيد بن ربيعة ليقدم خطابًا إعلاميًا يتجاوز حدود القبيلة إلى التأمل في مصير الإنسان وقيم الحياة، ومن أشهر أبياته:
ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطلٌ
وكل نعيمٍ لا محالة زائلُ
وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم هذا البيت بأنه من أصدق ما قالته العرب، لما يحمله من حكمة وصدق في التعبير عن حقيقة الدنيا، وهو ما منح شعر لبيد مكانة خالدة في التراث العربي، وأثبت أن الرسالة العميقة هي الأقدر على البقاء في ذاكرة الأجيال، أما النابغة الذبياني فكان شاعرًا اشتهر بالحكمة والدبلوماسية، حتى أصبح من أكثر الشعراء تأثيرًا في الحياة السياسية والاجتماعية في عصره، وكان يقصد ملوك الحيرة والغساسنة، ويستخدم شعره في الإصلاح وتقريب وجهات النظر، ولذلك يمكن النظر إلى شعره بوصفه نموذجًا للإعلام السياسي القائم على الإقناع وكسب الثقة أكثر من اعتماده على إثارة الخصومة، ومن خلال هذه النماذج يتضح أن شعراء الجاهلية مارسوا وظائف إعلامية متعددة، فكان منهم من نقل الأخبار، ومن صنع الصورة الذهنية، ومن رفع الروح المعنوية، ومن دافع عن قومه بالحجة، ومن دعا إلى السلم والإصلاح، ومن نشر الحكمة والقيم، وهو تنوع يكاد يوازي التنوع الذي نشهده اليوم في وسائل الإعلام بين الإعلام الإخباري، والإعلام التوعوي، والإعلام السياسي، والإعلام التعبوي، والإعلام المؤسسي.
كما أن سر خلود هؤلاء الشعراء لا يكمن في جمال الألفاظ وحده، بل في قدرتهم على صياغة رسائل تمس المجتمع وقضاياه، وتؤثر في جمهوره، فالرسالة الإعلامية الناجحة ليست هي الأكثر طولًا وتنوعاً، وإنما الأكثر قدرة على الوصول إلى العقول والقلوب، وهذا ما حققه كبار شعراء الجاهلية، حتى بقيت قصائدهم حاضرة بعد أكثر من 15 قرنًا، في حين اندثر شعر عدد كبير من معاصريهم، لأن التأثير الحقيقي هو المعيار الذي يخلد الكلمة، لا كثرة ما يُقال، ولعل هذه الحقيقة تؤكد أن الإعلام، مهما اختلفت وسائله عبر العصور، يظل قائمًا على جوهر واحد، هو الكلمة الصادقة المؤثرة، والرسالة الواضحة، والقدرة على تشكيل الرأي العام. وقد أدرك شعراء الجاهلية هذه الحقيقة بالفطرة والموهبة، فكانوا بحق إعلاميي عصرهم، وحفظة تاريخ مجتمعهم، وصناع صورته في ذاكرة العرب، قبل أن تعرف الإنسانية الصحف والمطابع والإذاعات والقنوات الفضائية ووسائل التواصل الحديثة.
أخيراً: كل ما ذكرناه من الشواهد يشير إلى أن العرب عرفوا الإعلام الجماهيري ومارسوا أدواته بفاعلية قبل ظهور وسائل الإعلام الحديثة بقرون عديدة، بالأدوات المتوفرة لديهم وقتها، والتي كانت تمثل الشعر ببلاغة عالية.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام