أنور الدوامي
كانت السعودية سابقاً تملك سوقاً كبيراً واقتصاداً قوياً، أمّا الآن فأصبحت وجهة حقيقية للمستثمرين ورؤوس الأموال وبيئة خصبة فيها الفرصة والاستقرار والنمو الذي يبحث عنه المستثمر والشركات العالمية..
والأهم أن هذا الكلام ليس مجرد انطباع أو شعار أو مجاملة من هنا أو هناك بل أصبحت لغة الأرقام تتحدث.
فالأرقام المعلنة في المصادر المفتوحة من وزارة الاستثمار تفيد أن المملكة في المركز الـ 13 عالميًا بين أكبر الاقتصادات المستقبلة للاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2025 وبلغ صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 32.6 مليار دولار مقارنة بـ21.3 مليار دولار في 2024 وذلك بنمو تقريباً 53 % خلال عام واحد كما عكس رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة بحدود 293.3 مليار دولار.
هذه الأرقام تقول لنا ببساطة إن هناك شيئًا يتغير على أرض الواقع وأن الشركات العالمية بدأت ترى في السعودية أكثر من مجرد سوق تبيع فيها منتجاتها وتتوكل على الله. فالسعودية أصبحت اليوم مكان يريد المستثمر أن يستثمر فيه ويكبر من خلاله ويدق طنبه ويتوسع.
ومن العلامات المهمة على هذا التحول انتقال عدد من الشركات العالمية بمقراتها الإقليمية إلى المملكة وخصوصًا في الرياض.
عندما تنقل شركة عالمية مقرها الإقليمي إلى السعودية، فهذا يعني أن الأمر أكبر من مجرد افتتاح مكتب أو فرع بل أن جزءًا من قراراتها وإدارتها وعملياتها في المنطقة أصبح من الرياض وما يترتب على ذلك من استثمارات ووظائف وخبرات وخدمات وغيره.
بمعنى آخر، السعودية لا تستقطب الشركات فقط، بل تستقطب مراكز القرار والأعمال وما يترتب عليها من مزايا، ومن الأشياء التي لا تحتاج إلى كثير من الشرح موقع المملكة الجغرافي.
فالسعودية تقع في قلب العالم بلا مبالغة وتربط بين ثلاث قارات، آسيا وأوروبا وأفريقيا، وهذا يجعلها موقع مهم جدًا للتجارة والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد خصوصاً مع التطور في الموانئ والمطارات والطرق والخدمات بشكل عام.
كما أن سهولة ممارسة الاعمال ومعرفة كم يحتاج المستثمر من الوقت لينشئ شركة أو ينجز عمل معين وكم إجراء يحتاج وكم جهة ومتى يبدأ كذلك مطلب للمستثمرين
وهنا جاءت الإصلاحات المتسارعة في بيئة الأعمال، ومن بينها المركز السعودي للأعمال والعديد من المبادرات الحكومية لتختصر الإجراءات وتقلل التعقيدات وتجمع رحلة المستثمر في مكان واحد، مع توسع الخدمات الإلكترونية.
وهذا تغيير مهم جدًا فالمستثمر لا يبحث فقط عن الحوافز، بل يبحث عن بيئة واضحة وسريعة يستطيع فيها أن يبدأ مشروعه ويديره ويتوسع فيه.
السعودية عملت وتعمل اليوم على أن تكون بيئة حقيقية وحاضنة للأعمال، وليست مجرد سوق كبير يستهلك ما تنتجه الشركات.
هناك فرص في الصناعة والسياحة والتقنية والطاقة والخدمات المالية واللوجستية والكثير من القطاعات ومعها بنية تحتية تتطور وتشريعات تتغير لتواكب حجم الطموح.
وهذا هو أحد أهم جوانب رؤية السعودية 2030 أن يتحول الاقتصاد من الاعتماد على مصدر واحد إلى اقتصاد متنوع وأكثر تنافسية وأكثر قدرة على جذب الاستثمارات.
رأس المال يحب الوضوح والثقة كما أن المستثمر يريد أن يعرف أن الأنظمة واضحة وأنها تطبق على الجميع وأن حقوقه محفوظة وأن هناك حوكمة ومحاسبة وأن الفساد ليس طريقًا لإنجاز الأعمال وأن هناك مواجهة حقيقية لغسل الأموال والتجارة غير النظامية والممارسات التي تضر بالمنافسة تماماً كما هي السعودية.
وهنا تصبح مكافحة الفساد وتعزيز الحوكمة والشفافية ليست مجرد إجراءات حكومية، بل جزءًا أساسيًا لبناء بيئة استثمارية جاذبة.
ما يحدث اليوم في السعودية هو تحول كبير في الصورة الاقتصادية للمملكة.
لم تعد النظرة إليها فقط باعتبارها سوق كبيرة، وإنما بدأت تتحول إلى مركز إقليمي للأعمال والاستثمار.
انتقال المقرات الإقليمية، نمو الاستثمارات الأجنبية، تطور الأنظمة، تسهيل الأعمال، الموقع الجغرافي، البنية التحتية، الحوكمة ومكافحة الفساد، كلها عوامل عندما تجتمع مع بعضها تصنع بيئة مختلفة.
وبلغة بسيطة.. رأس المال جبان كما يقولون ولا يذهب إلّا إلى المكان الذي يرى فيه فرصة واستقرار ونمو ووضوح وحماية لاستثماره.
ولهذا لم تعد عبارة «السعودية وجهة لرؤوس الأموال» مجرد عنوان جميل، بل أصبحت واقعًا تؤكده لغة الأرقام، وحركة الشركات، وحجم الاستثمارات، وما نشهده من تحول اقتصادي متسارع والقادم بإذن الله أكبر وأجمل.