عبود بن علي ال زاحم
ليس أخطر ما في الظلم أنه يسلب حقًا أو يهدم علاقة أو يكسر إنسانًا، بل أخطر ما فيه أن المظلوم يرفع يديه إلى السماء فلا يكون بين دعوته وبين الله حجاب.
يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اتقِ دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب»، ويقول أيضًا: «الظلم ظلمات يوم القيامة».
إنها ليست كلمات تُقال للموعظة فقط، بل إنذار لكل من ظن أن المنصب أو النفوذ أو المال سيحميه من عاقبة الظلم.
الظلم لا يقتصر على أخذ المال أو الاعتداء على الحقوق، بل يبدأ أحيانًا بكلمة جارحة أو قرار غير عادل أو تهميش متعمد أو محاباة على حساب الكفاءة. وقد يمارس الإنسان الظلم وهو يظن أنه يؤدي عمله بينما يحمّل نفسه تبعات ثقيلة في الدنيا قبل الآخرة.
في بيئة العمل قد يُظلم الموظف عندما تُنسب إنجازاته إلى غيره أو يُحرم من ترقية يستحقها أو يُقيَّم بغير إنصاف، أو تُغلق أمامه فرص التطور بسبب الأهواء والمصالح. وربما يظن الظالم أن الأمر انتهى بتوقيع أو قرار لكنه ينسى أن هناك قلبًا انكسر ودعوة قد تغيّر مجرى حياته. في التعليم قد يكون الظلم في تقييم طالب بغير حق أو التقليل من قدراته أو حرمانه من فرصة يستحقها. فكم من موهبة انطفأت بسبب حكم جائر وكم من طالب فقد ثقته بنفسه؛ لأن العدل غاب في لحظة كان بأمسّ الحاجة إليه.
وفي الحياة الزوجية قد يكون الظلم أشد ألمًا عندما تُهدر الحقوق أو يُساء استخدام القوامة أو السلطة داخل الأسرة أو يُعامل أحد الزوجين بجفاء وإهانة. فالبيت الذي يقوم على الظلم لا يعرف الطمأنينة لأن العدل أساس الاستقرار والرحمة روح الحياة.
لكن ما يغفل عنه كثير من الناس أن الظلم لا ينتهي بمجرد الاعتذار ولا يمحوه الزمن وحده. فالظلم جرحٌ عميق قد يهدأ ألمه لكن أثره يبقى في القلب والذاكرة. ولا يملك حق العفو والمسامحة إلا من وقع عليه الظلم. فلا يكفي أن يندم الظالم أو يرسل من يتوسط له أو يطلب من الآخرين إقناع المظلوم بالصفح. فالعفو ليس حقًا للظالم بل فضل يمنحه المظلوم إن شاء ويؤجر عليه عند الله.
وقد يحتاج القلب إلى وقت حتى يلتئم وقد لا ينسى الإنسان ما تعرض له مهما مرت السنوات. لذلك كان رد المظالم والاعتذار الصادق وإرجاع الحقوق إلى أهلها أول طريق التوبة قبل انتظار العفو أو المطالبة به.
وإذا أردنا أن نبني مجتمعًا أكثر استقرارًا ومنظمات أكثر نجاحًا وأسرًا أكثر تماسكًا فلا يكفي أن نطالب بحقوقنا، بل يجب أن نجعل العدل ثقافة في قراراتنا وتعاملاتنا وتقييمنا للناس. فالقيادة العادلة تصنع الثقة، والمعلم العادل يصنع الأجيال، والزوج العادل يصنع أسرة مستقرة والإنسان العادل يترك أثرًا طيبًا يمتد بعد رحيله.
وقبل أن تنام كل ليلة اسأل نفسك هل ظلمت أحدًا اليوم؟ هل كسرت خاطرًا؟ هل منعت حقًا؟ هل استغليت منصبًا أو سلطة أو كلمة في غير موضعها؟ فإن وجدت شيئًا فسارع إلى إصلاحه ورد الحقوق إلى أهلها. فذلك أهون من أن تقف يوم القيامة وخصمك ينتظر عدل الله.
فالله سبحانه لا يظلم أحدًا ولا تضيع عنده الحقوق. قد يؤخر العقوبة لحكمة لكنه لا يهملها أبدًا. فلا تغتر بقوة ولا بمنصب ولا بنفوذ. فقد تكون دعوة مظلوم في جوف الليل أقوى من كل ما تملك.
فالظالم قد يظن أنه انتصر اليوم، لكن المنتصر الحقيقي هو المظلوم، لأن له ربًا لا ينام وعدلًا لا يغيب ودعوةً ليس بينها وبين الله حجاب.