حسن اليمني
وصول الرئيس التركي ورئيس وزراء الباكستان واللقاء الذي جمعهما مع سمو ولي العهد وما صدر عن هذا اللقاء باسم «إعلان مكة» ذلك ان هذا الإعلان أو هذا الاتفاق فعل تاريخي يفصل ما بين ما قبله وما بعده.
لقد عاشت الأمة العربية والإسلامية -خاصة- خلال هذه الفترة، تضخم وتعقيد للقضايا المحيطة لامست الأمن والاستقرار، عسكريا واقتصاديا واجتماعيا، وكان الغائب عن كل ذلك، هو التوافق في الرؤية والنظرة للواقع والمستقبل الذي تخلقه وتصنعه هذه الاحداث الحالية، سواء في بحر الخليج العربي أو البحر الأحمر، أو تماهي عصابات أو «مليشيات» تتحدث العربية وترتدي الراية الإسلامية لكن بأفعال معادية للعروبة والإسلام، تجمع عربي واسلامي مفتوح للغايات النبيلة للأمة، لا يقتصر على ثلاث دول، بل بباب وصدور مفتوحة لكل دولة عربية أو إسلامية للارتقاء بحال الأمة ومعالجة الأوضاع القائمة التي تسدل على المنطقة بمحن يختلط فيها اللبس والوضوح.
تعزيز الردع الجماعي –في الاتفاق– ضد أي عمل عدائي ضدها، يعني توافق رؤية ووحدة موقف صلب من قبل الدول الثلاث -وهو مفتوح للمزيد- وعبارة أي هجوم على أي دولة هو هجوم علينا جميعا، هذا هو الامل والغاية بل والحلم العربي الإسلامي الذي جفّت مهج العرب والمسلمين في الدعاء تنتظره، وها نحن نعيش تحول هذا الحلم إلى واقع نشاهده بأعيننا ونستشعر الامن والعزّة والقوة بوجداننا في ظله وظلاله.
هو توافق واتحاد رؤية بين الدول الثلاث لواقع حال المنطقة كتشخيص دقيق، وهو أيضا رؤية استراتيجية واحدة تجاه العلاج الصائب لهذا العبث والانزلاق في المنطقة، سواء من دول إقليمية أو دولية أو حتى من أدوات تُقاد وتُوجه من قبل أعداء الأمة، والحق أن هذا التوافق والتماثل الموحد في الرؤية الاستراتيجية بين الدول الثلاث، المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية والجمهورية الباكستانية ليس وليد اليوم، بل ظهر منذ فترة ليست بالقصيرة، وبنيت حوله احتمالات وتوقعات بقيام حلف عربي إسلامي كانت مبنية على حسن وسلامة العلاقات بين هذه الدول، غير أن إنشاء حلف يختلف في وقعه ومعطياته عن التوافق والوحدة في الرؤية الاستراتيجية بأكثر من التعاون العسكري، ذلك ان هذا التوافق في اعلان مكة يشمل علاقات في شتى المجالات التكاملية مدنية وعسكرية، فيكون اكثر من تحالف يقابل تحالفات أخرى بما يخلق تزاحم وتنافس، بل هو تمازج في الرؤية والنظرة للواقع والمستقبل ببعد إستراتيجي مستمر للبناء التكاملي.
صحيح أنه أخذ منحى الدفاع المشترك، لكن هذا الدفاع المشترك مبني على تجانس وتمازج في الرؤية الاستراتيجية الابعد، والتي تتسع لكافة المصالح المشتركة، مدنية وعسكرية، ولعل فكرة مد سكة حديد من السعودية إلى تركيا عبر سوريا والأردن وتحويل الماء من نهر جيهان في تركيا إلى السعودية وبعض دول الخليج يعطي تصور لماهية ابعاد هذه العلاقة الثلاثية متى اضفنا إلى عمق العلاقة السعودية الباكستانية وكذلك الباكستانية التركية، هذه الدول الثلاث ثقل وعمق مهم للأمتين العربية والإسلامية، والاقتصار على الدفاع الجمعي ضد أي اعتداء يفيد ويعطي المعنى الحقيقي لهذا التجمع بكونه اتفاق مبني على توافق في الرؤية الإستراتيجية لا تحالف عسكري موجه ضد أحد.
إن هذا الاتفاق الثلاثي للدفاع المشترك يجب أن لا ينظر اليه كحلف عسكري، بل أن قواعد واسس هذا الاتفاق هي الأهم الذي يحقق امل وحلم الأمة العربية والإسلامية، نفهم ذلك من خلال فتح الباب للدول العربية والإسلامية للانضمام والدخول في ذات الرؤية الإستراتيجية التي توحد الموقف السياسي والاستراتيجي في كل ابعاد هذا التجمع، وهو بالتالي المسار الصحيح والجاذب لأمن واستقرار وتنمية هذه الدول في كل الجوانب وبالأخص التكامل البنائي والتنموي كداعم للبقاء والاستمرار، وبتوسعه أكثر يرتقي بحال الأمة العربية والإسلامية من عصر سابق إلى عصر جديد، تظهر فيه الأمة العربية والإسلامية بصحة وعافية اكبر وافضل تجعل الأطراف المتربصة أو تلك المزعجة في المنطقة أو حتى على مستوى العالم كله يعيد التفكير مرات ومرات في أي محاولة لإيذاء أو تعقيد مسار المنطقة التنموي أو محاولات تجاوز حدود امنها واستقرارها.
أكثر من هذا، إن اتفاق مكة وهو يعلن اليوم من اللقاء الثلاثي، السعودي التركي الباكستاني، يشكل كما بيرق أو علم يرفع على سارية نهضة الأمة بقوة مهيبة تعمل في اتجاهين، الأول: جاذب للدول العربية والإسلامية الأخرى للانضمام اليه والايمان بسلامة رؤيته الإستراتيجية، أما الثاني: فهو بمثابة عين ساخنة تراقب أي نزعات جاهلة تطمح في النيل من أمن واستقرار المنطقة ومساراتها التنموية والتقدمية، سواء كان إقليمي أو دولي، وهو بالمجمل يعطي ثقل وارتكاز ظاهر وثابت على مستوى العلاقات الدولية كند في المصالح والطموحات على المستوى العالمي.