ثامر الشهراني
حين تتغير طبيعة التهديدات، تتغير معها فلسفة الدفاع. فالأمن في عالم اليوم لم يعد رهناً بقدرة دولة على حماية حدودها فحسب، بل بقدرتها على بناء تحالفات ترفع تكلفة الاعتداء قبل وقوعه. ومن هذا المنطلق، تمثل اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية خطوة إستراتيجية تؤسس لمرحلة جديدة من الردع الجماعي، وترفع تكلفة أي اعتداء محتمل على أي من الدول الثلاث.
تكمن أهمية الاتفاقية في النص الذي يعد أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً على الجميع، بما يعزز الردع ويحد من فرص استهداف أي طرف منفرداً. ويقتصر تفعيلها على طلب الدولة المعتدى عليها، بما يصون سيادتها ويؤكد أن القرار العسكري يظل قراراً وطنياً.
تأتي الاتفاقية في توقيت يشهد تصاعداً في التهديدات العابرة للحدود، سواء من التنظيمات الإرهابية أو الهجمات على الممرات البحرية والمنشآت الحيوية، إلى جانب تنامي التنافس الجيوسياسي. ومن ثم، فإنها تمثل رسالة استقرار وردع أكثر من كونها اصطفافاً عسكرياً موجهاً ضد طرف بعينه.
وفي الوقت ذاته، تبقى التزامات تركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وشراكات باكستان الدفاعية، قائمة كما هي، بينما تضيف الاتفاقية إطاراً إقليمياً مستقلاً للتعاون والردع المشترك. كما تستهدف تطوير مختلف أوجه التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، بما يعزز التنسيق العسكري، ويرفع مستوى الجاهزية، ويؤسس لشراكة إستراتيجية تتجاوز مواجهة التهديدات الآنية إلى بناء ردع مستدام.
وتوازي الرسالة السياسية للاتفاقية أهمية موادها الدفاعية؛ فهي تؤسس لإطار أمني مفتوح، قابل للتوسع، ويستقطب دولاً تتقاطع مصالحها في حماية الإقليم وتعزيز الأمن الجماعي. كما أن قيمة الاتفاقية تُقاس بقدرتها على منع النزاعات قبل وقوعها؛ فالسعودية واجهت الهجمات الإيرانية وأذرعها دون الحاجة إلى تفعيل مثل هذا الإطار، وباكستان خاضت أزماتها مع الهند، وتركيا تعاملت مع تحدياتها الأمنية منفردة. ومن هنا، فإن جوهر الاتفاقية يكمن في تعزيز الردع الجماعي، بما يجعل اللجوء إلى القوة خياراً أقل احتمالاً.
الرياض تمضي، من خلال هذه الخطوة، في ترسيخ نهجها القائم على بناء منظومة أمن إقليمي تقوم على الشراكات الفاعلة، وهو امتداد لدورها المتنامي في قيادة المبادرات الأمنية والعسكرية على المستويات العربية والإسلامية والدولية.
وعليه، فإن اتفاقية مكة للدفاع المشترك ليست مجرد وثيقة للتعاون العسكري، بل إعلان عن انتقال المنطقة إلى مرحلة جديدة من الأمن الجماعي، تتقدم فيها السعودية نحو بناء منظومة ردع إقليمية أكثر تماسكاً، قوامها الشراكة، وتوازن القوى، وصون الاستقرار.