عبدالله فهد السعيدي
لم يكن توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان مجرد اتفاق عسكري عابر، بل يمثل تطورًا لافتًا في المشهد الأمني الإقليمي، ويعكس تحولات متسارعة في مفهوم الأمن والدفاع، خصوصًا في منطقة أصبحت تشهد تعددًا في مصادر التهديد وتداخلًا متزايدًا في المصالح الإستراتيجية.
فالسعودية، التي اختارت خلال السنوات الأخيرة أن تعيد صياغة علاقاتها الدولية وفق رؤية تقوم على تنويع الشراكات وتعزيز القدرات الذاتية، تبدو اليوم أمام مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: بناء شبكة من الشراكات الأمنية والدفاعية التي لا تقوم على الاعتماد على طرف واحد، وإنما على تعدد مصادر القوة والخبرة والتعاون.
ويكتسب الاتفاق أهميته من الأطراف الثلاثة التي تقف خلفه. فالسعودية تمثل ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا كبيرًا في المنطقة، وتركيا تمتلك قدرات عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة، فيما تتمتع باكستان بخبرة عسكرية واسعة وموقع جغرافي بالغ الأهمية. وعندما تجتمع هذه القدرات ضمن إطار دفاعي مشترك، فإن النتيجة الطبيعية هي نشوء معادلة جديدة تستحق التوقف أمامها.
الأهم في الاتفاق ليس فقط توقيعه، وإنما المبدأ الذي يقوم عليه، وهو تعزيز مفهوم الدفاع المشترك وربط أمن الدول الثلاث بصورة أكبر. وهذا يعني أن أي تهديد محتمل لأمن إحدى الدول لن يُنظر إليه باعتباره قضية منفصلة تمامًا عن أمن الدول الأخرى، بل باعتباره عاملًا يستدعي التنسيق والتشاور والتعاون.
وهنا تظهر قيمة الردع. فالردع في السياسة الدولية لا يعني الرغبة في الحرب، وإنما يعني امتلاك القدرة والشراكات التي تجعل التفكير في الاعتداء أكثر كلفة وخطورة. وكلما اتسعت شبكة الشراكات الدفاعية، أصبحت الحسابات العسكرية والسياسية أمام أي طرف يفكر في التصعيد أكثر تعقيدًا.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة اتفاق مكة باعتباره رسالة استقرار قبل أن يكون رسالة قوة. فالدول الثلاث لا تحتاج إلى الدخول في مواجهة حتى تثبت قدرتها، وإنما يكفي أن يعرف الجميع أن أمنها أصبح مرتبطًا بدرجة أكبر، وأن التعاون بينها يمكن أن يتحول إلى عنصر مؤثر في حسابات الأمن الإقليمي.
السعودية تحديدًا تتحرك اليوم وفق رؤية مختلفة في إدارة الملفات الإستراتيجية. فلم تعد القوة تقاس فقط بحجم الإنفاق العسكري أو عدد الأسلحة، بل أصبحت تقاس أيضًا بقدرة الدولة على بناء الشراكات، وتطوير الصناعات الدفاعية، وتوطين التقنية، وتبادل المعلومات والخبرات، ورفع مستوى الجاهزية. وهذا ما يجعل العلاقة مع تركيا وباكستان ذات أهمية خاصة.
تركيا استطاعت خلال السنوات الماضية تطوير قاعدة صناعات دفاعية محلية جعلتها لاعبًا مهمًا في هذا المجال، وحققت تقدمًا في الطائرات المسيّرة والأنظمة الدفاعية والتقنيات العسكرية. أما باكستان، فتملك خبرة عسكرية كبيرة، إلى جانب موقع استراتيجي يجعلها طرفًا مهمًا في أي ترتيبات أمنية تمتد من الخليج إلى جنوب آسيا.
وفي المقابل، تمتلك المملكة إمكانات اقتصادية واستثمارية ضخمة، إلى جانب موقع جغرافي يجعل أمن الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية الدولية جزءًا أساسيًا من حساباتها الإستراتيجية.
وبالتالي، فإن اجتماع هذه العناصر الثلاثة يفتح الباب أمام تعاون لا يقتصر على الجانب العسكري التقليدي، وإنما يمكن أن يمتد إلى التدريب، وتبادل الخبرات، والتقنيات الدفاعية، والصناعات العسكرية، والأمن البحري، ومواجهة التهديدات غير التقليدية.
وهنا يجب التأكيد على أن اتفاق مكة لا ينبغي اختزاله في كونه تحالفًا موجهًا ضد دولة بعينها. فالدول الثلاث تستطيع أن تعزز دفاعها وردعها دون أن تجعل الاتفاق إعلانًا للمواجهة مع طرف محدد.
بل إن قوة الاتفاق الحقيقية تكمن في قدرته على حماية الاستقرار ومنع المغامرات العسكرية.
فالمنطقة لا تحتاج إلى حرب جديدة، وإنما تحتاج إلى توازن يمنع الحرب. وكلما امتلكت الدول قدرات ردع وشراكات واضحة، تقل فرص سوء التقدير والاعتقاد بأن دولة ما يمكن أن تُستهدف دون أن تكون هناك تبعات إقليمية.
من هنا تأتي أهمية الدور السعودي.فالمملكة لا تتحرك اليوم بمنطق رد الفعل، بل بمنطق بناء منظومة مصالح وشراكات طويلة المدى. وقد أصبح واضحًا أن الرياض تريد أن تكون شريكًا أساسيًا في صياغة أمن المنطقة، لا مجرد طرف يتلقى تداعيات الأزمات التي تحدث حوله.
ولعل توقيع اتفاق مكة في هذا التوقيت يحمل دلالة إضافية؛ فالشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة تشكيل واسعة، تتغير فيها التحالفات، وتتبدل فيها موازين القوى، وتظهر فيها قوى إقليمية تبحث عن أدوار أكبر.
وفي وسط هذه التحولات، تأتي السعودية بثقلها السياسي والاقتصادي والديني والجغرافي لتقول إن أمن المنطقة يجب أن يكون قائمًا على شراكات إقليمية متوازنة، وعلى احترام سيادة الدول، وعلى القدرة على حماية المصالح الوطنية.
ولا يمكن فصل ذلك عن التحرك السعودي المتزايد في مجال الأمن البحري والدفاع متعدد الجنسيات. فحماية الممرات البحرية وأمن الطاقة والتجارة الدولية أصبحت جزءًا أساسيًا من الأمن القومي للدول، خصوصًا في منطقة تمر عبرها نسبة كبيرة من حركة التجارة والطاقة العالمية.
إن اتفاق مكة، إذا ما تم تحويله خلال المرحلة المقبلة إلى آليات عملية للتنسيق والتدريب والتعاون العسكري وتبادل المعلومات، يمكن أن يصبح نموذجًا مهمًا للشراكات الدفاعية الإقليمية.
والاختبار الحقيقي الآن ليس في مراسم التوقيع، وإنما في القدرة على تحويل الاتفاق إلى منظومة تعاون فعالة ومستدامة.
فالاتفاقيات السياسية تكتسب قوتها من قدرتها على إنتاج واقع جديد، والواقع الجديد يحتاج إلى مؤسسات وآليات وتنسيق مستمر وإرادة سياسية واضحة.
وفي النهاية، يمكن القول إن اتفاق مكة يمثل أكثر من مجرد ورقة دفاعية بين ثلاث دول؛ إنه مؤشر على أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من بناء التوازنات، وأن السعودية أصبحت لاعبًا رئيسيًا في صياغة هذه المرحلة.
ومن مكة، حيث اجتمعت السعودية وتركيا وباكستان، تبدو الرسالة واضحة: الأمن لا يُبنى بالخوف من الحرب، وإنما ببناء قوة ردع تمنعها، وشراكات تحمي الاستقرار، ودول تمتلك قرارها وقدرتها على الدفاع عن مصالحها.
وهذه هي المعادلة التي تقودها السعودية اليوم: قوة من أجل الاستقرار، وشراكة من أجل الردع، ودبلوماسية تفتح الأبواب أمام مستقبل أكثر أمنًا للمنطقة.