أحمد الأسمري
من جوار بيت الله الحرام، وبعد صلاة الجمعة، خرجت إلى المنطقة والعالم معادلة قوة جديدة. السعودية وتركيا وباكستان وقعت «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» على مبدأ واضح: الاعتداء المسلح على واحدة منها اعتداء على الدول الثلاث. وخلف هذا المبدأ قوة عاملة تقارب، وفق تقديرات 2026، مليوناً و400 ألف عسكري، وثلاث دول لكل منها ثقل لا يختصره عدد الجنود.
قوة الاتفاقية في تكامل عناصرها. السعودية بموقعها ومواردها ونفوذها العربي والإسلامي والدولي وقدراتها العسكرية المتطورة، وتركيا بثاني أكبر جيش في الناتو، وخبرتها العملياتية وصناعتها الدفاعية المتقدمة في المسيّرات والصواريخ والسفن والدفاع الجوي، وباكستان بجيشها الكبير وإمكاناتها الصاروخية والجوية وصناعتها العسكرية، وفوق ذلك بثقل الدولة الإسلامية الوحيدة المالكة للسلاح النووي.
الأرقام تشرح حجم القوة التي اجتمعت تحت هذه المظلة: نحو 3415 طائرة ومروحية عسكرية، بينها 815 مقاتلة، وأكثر من 6 آلاف دبابة، و1200 راجمة صواريخ، و344 قطعة بحرية، بينها 22 غواصة، وفق «غلوبال فاير باور». وتقدّر «فيدرالية العلماء الأمريكيين» ترسانة باكستان بنحو 170 رأساً نووياً. صحيح أن الاتفاق لا ينص على إدخال السلاح النووي في التزاماته، لكن وجود دولة نووية بين أطرافه يضيف وزناً إستراتيجياً حاضراً في أي حساب للقوة.
ولم يبدأ المسار من الصفر. ففي سبتمبر الماضي وقعت الرياض وإسلام آباد اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المشترك بالمبدأ نفسه.
واليوم، باتفاقية مكة، انتقل هذا المسار من شراكة ثنائية راسخة إلى مظلة ثلاثية أثقل، من دون أن تلغي ما سبقها من ترتيبات دفاعية. فالسعودية في قلب منظومة الدفاع الخليجي وعضو أساسي في معاهدة الدفاع العربي المشترك، وتركيا قوة رئيسة في الناتو، وباكستان صاحبة شبكة واسعة من الشراكات العسكرية. ومع إعلان الانفتاح على انضمام دول أخرى، تبدو الاتفاقية أقرب إلى نواة قابلة للاتساع، تتلاقى حولها دوائر دفاع قائمة، وقد تمهد لنظام أمني أكثر استقلالاً تصوغه القوى الكبرى في المنطقة وفق مصالحها وضرورات أمنها.
وللمكان دلالته التاريخية أيضاً. من حلف الفضول القائم على النصرة ومنع الظلم، إلى بيعة العقبة التي حملت معنى الحماية والتأييد، عرفت مكة ومحيطها عهوداً صنعت ما بعدها. واليوم يضاف إلى تلك الذاكرة عهد بين ثلاث دول ذات سيادة ومكانة، ورسالة سلام تستند إلى مهابة القوة.
وهذا يعيدني إلى ما كتبته قبل أيام عن فائض النفوذ السعودي. المملكة لا تبني قدراتها الذاتية فقط، بل أثبتت قدرتها على جمع القوى وصناعة التحالفات وتحويل الفكرة السياسية إلى وزن على الأرض. والأهم أن هذا النفوذ اقترن دائماً بسياسة تسعى إلى احتواء الأزمات وخفض التصعيد، لا إلى توسيع ساحات المواجهة.
وفي الأيام الماضية، واصل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان دفعه باتجاه الحوار ووقف إطلاق النار والحلول الدبلوماسية، ومنح التفاوض فرصته قبل الذهاب إلى جولة عسكرية جديدة. ضبط للنفس إلى أبعد مدى، بالتوازي مع تحصين أمني يجعل كلفة الاعتداء أعلى بكثير من مكاسبه المتوهمة.