صالح القبلان
من حق كل إنسان أن يُبدي رأيه، وأن يمارس النقد الهادف والبنّاء بأسلوب راقٍ يحترم الآخرين، وأن يضع نفسه مكان من ينتقده قبل إصدار الأحكام، وأن يطرح المقترحات والحلول التي تسهم في التصحيح والتطوير بعيداً عن الإساءة أو الشخصنة أو الانتقائية.
غير أن المؤسف في الوسط الرياضي أن بعض من يمارسون النقد يفتقدون إلى هذه المبادئ المهنية، فتجد أسلوبهم يغلب عليه التشنج والانفعال، ويتحول النقد لديهم إلى هجوم شخصي أو تصفية حسابات مع من يختلفون معهم فكراً أو ميولاً. وفي المقابل، عندما يتعلق الأمر بمن يؤيدونهم أو يتفقون معهم، فإنهم يبالغون في الإشادة والثناء، ويضخمون أبسط الإنجازات، ويتجاهلون الأخطاء أو يسعون إلى تبريرها مهما كانت واضحة للمتابعين.
هذه الازدواجية في المعايير تُفقد الناقد مصداقيته، وتجعله أسيراً لعاطفته وميوله الشخصية بدلاً من أن يكون باحثاً عن الحقيقة ومصلحة العمل أو الرياضة التي يتحدث عنها. فالنقد الحقيقي لا يُبنى على الحب والكراهية، ولا على القرب والبعد، بل على العدل والإنصاف والموضوعية، وهي قيم لا تتجزأ ولا تتغير بتغير الأشخاص أو المصالح.
ولن ينجح أي ناقد في أداء رسالته ما لم يُرجّح صوت العقل على العاطفة، ويتجرد من الأهواء والانتماءات الضيقة، ويجعل الحقيقة معياراً ثابتاً في أحكامه ومواقفه. فالمصداقية تُبنى بالإنصاف، والاحترام يُكتسب بالموضوعية، أما الانتقائية والشخصنة فلا تنتج إلا مزيداً من فقدان الثقة وتراجع التأثير.
وقليلٌ جداً من يجيد فن النقد الهادف والبنّاء، رغم أن النقد يُعد من أهم وسائل التصحيح والتطوير والارتقاء بالأفراد والمؤسسات والمجتمعات. فكثيرون يمارسون النقد بدافع الانفعال أو حب الظهور أو البحث عن الشهرة والتفاعل، بينما يغيب عنهم جوهر النقد الحقيقي القائم على الحكمة والعدل والمسؤولية.
ولكي يكون النقد مؤثراً ويحقق أهدافه المرجوة، يجب على الناقد أن يضع نفسه أولاً مكان الشخص الذي ينتقده، وأن يدرك الظروف والمعطيات المحيطة به، وأن يلمّ بكافة التفاصيل قبل إصدار الأحكام. فالحكم العادل لا يُبنى على الانطباعات السريعة أو المعلومات الناقصة، بل على المعرفة الدقيقة والفهم الشامل للواقع.
كما أن النقد الحقيقي لا يقوم على الإثارة الإعلامية، ولا على البحث عن المشاهدات وصناعة المحتوى الإعلامي، ولا على الشخصنة والانتقائية وثقافة المؤامرة، بل يعتمد على الطرح الموضوعي الهادئ القائم على تحليل الأخطاء وتفسير أسبابها وبيان آثارها، ثم تقديم الحلول والمقترحات العملية التي تساعد على المعالجة والتطوير وتمنع تكرار الأخطاء مستقبلاً.
ومن أهم سمات النقد الراقي أن يكون هدفه الإصلاح لا الإساءة، والتقويم لا التجريح، والبناء لا الهدم. فاحترام مشاعر الآخرين وحفظ مكانتهم لا يتعارض مع الصراحة والوضوح، بل يعكس رقي الناقد وثقته بنفسه وسمو أخلاقه. فالكلمة المسؤولة قد تفتح أبواب الإصلاح والتطوير، بينما الكلمة الجارحة قد تغلق أبواب الحوار وتزرع الاحتقان وتحوّل النقد من وسيلة بناء إلى أداة هدم وإحباط.
وفي النهاية، يبقى النقد البنّاء ثقافة راقية لا يجيدها إلا أصحاب الوعي والحكمة والإنصاف، أولئك الذين يبحثون عن الحقيقة قبل الانتصار للميول، وعن المصلحة العامة قبل المصالح الشخصية، ويجعلون من العقل قائداً لآرائهم ومواقفهم لا تابعاً لأهوائهم وعواطفهم. فعندما يتحدث العقل تزدهر الحقيقة، وعندما يتحدث الهوى تغيب العدالة وتضيع المصداقية.