احمد العجلان
مشروع التخصيص لم يأتِ حتى تتحول الأندية إلى شركات بلا ذاكرة، ولا حتى تُنتزع من مدنها التي صنعت تاريخها. جاء ليجذب الاستثمار ويطور الرياضة، لا ليُفرغ المحافظات من أهم مؤسساتها الرياضية.
ما حدث مع نادي الخلود بنقل التمارين إلى الرياض يبعث برسالة مقلقة. فاليوم غادرت التمارين، وغدًا قد تغادر المباريات، وبعدها لن يبقى من هوية النادي سوى الاسم.
وزارة الرياضة مطالبة بأن تشرح للرأي العام: كيف يمكن الحديث عن تنمية الرياضة في المدن والمحافظات، بينما تُسحب منها أنديتها تدريجيًا؟ وكيف ينسجم ذلك مع مفهوم الاستثمار الذي يفترض أن يضيف للنادي، لا أن يقتلعه من بيئته؟
الخلود لم يولد في الرياض. الخلود نشأ في الرس، وكبر في الرس، وصنع جماهيره ورجالاته وتاريخه في الرس. وكل ريال صُرف عليه، وكل متطوع خدمه، وكل مشجع وقف خلفه، كان يفعل ذلك لأنه يرى النادي جزءًا من مدينته، لا مشروعًا قابلًا للنقل متى ما تغيّر المالك.
والمسألة ليست عاطفية فقط، بل اقتصادية أيضًا. عندما نقل المستثمر الأجنبي تمارين الفريق إلى الرياض، لم ينقل اللاعبين والمدربين والأجهزة الفنية والإدارية فحسب، بل نقل معهم جزءًا من الدورة الاقتصادية التي كان يفترض أن تستفيد منها الرس.
هؤلاء يحتاجون إلى مساكن وشقق وفنادق، ويتسوقون من المتاجر والبقالات، ويتعاملون مع المطاعم والمغاسل ومختلف الأنشطة والخدمات المحلية. وجود نادٍ محترف بطواقمه ولاعبيه داخل مدينة صغيرة ليس مجرد نشاط رياضي؛ إنه حركة اقتصادية يومية يستفيد منها أبناء المدينة ومشروعاتها.
وهنا يصبح السؤال موجهًا بشكل أكبر إلى وزارة الرياضة: عندما يُباع نادٍ نشأ في محافظة، ألا يفترض أن تكون المحافظة نفسها أحد المستفيدين من نجاح عملية التخصيص؟ كيف يصبح من نتائج الاستثمار أن تخسر الرس جزءًا من النشاط الاقتصادي الذي يصنعه ناديها لصالح مدينة أخرى؟
إذا كانت الخصخصة تعني أن المدينة تخسر ناديها وتخسر معه الحركة الرياضية والشبابية والاقتصادية المرتبطة به، مقابل أن يحصل المستثمر على نادٍ يستطيع إدارة نشاطه بعيدًا عن موطنه، فهناك خلل يستحق أن تتوقف عنده الوزارة.
الاستثمار الحقيقي لا يقتل الهوية… بل يبني عليها. ولا يسحب النشاط الاقتصادي من مدينة صنعت النادي، بل يفترض أن يضاعفه فيها.
أما أن تبدأ رحلة الخلود إلى العاصمة، بينما تبقى الرس التي صنعت النادي وتاريخه وجماهيره خلفه، فهذه ليست الخصخصة التي حلم بها الرياضيون، بل نسخة مشوهة منها تستحق أن تُراجع قبل أن تتحول إلى نموذج يتكرر مع أندية أخرى.