علي الخزيم
- الموروث من أدب العرب وقَصَصهم يَروي أمثلة شائقة من حفلات الجِن وأعراسهم ومراسمها؛ إذ اتفقت جُلّ منقولاتهم على أن من أهم عناصر سَمَرِهم الليلي بحفلة الزواج النار الموقدة التي يشاهدها عابرو الطرق من بعيد؛ كما اتفقت على تأكيد ظاهرة تشير إلى أن مَن يقترب لمسرح سَمَرهم الليلي قد يفاجأ بأن نارهم تخبو؛ وقرع طبولهم وأهازيجهم تَخْفُت وتصمت، هل لأنهم لا يرغبون بحضور الإنس لحفلاتهم ثم تقليد مراسمها بأعراسهم؛ أم هو لخوف الجن الغريزي من الإنس؟ وأميل إلى أنهم يخافون الإنس كما يخاف بعض الناس من شرار الجن.
- الشاعر اللبناني الكبير بشارة الخوري (الأخطل الصغير) صَوّر عرسًا للجنِ في ظلمة الليلِ مِن نسج خيالِه الإبداعي الشعري بقصيدة بليغة زاخرة بالصور البديعية الباذخة؛ ضَمّنها توثيقًا لطيفًا رائعًا لميلاد الشاعر العربي الشهير أبي الطّيّب المتنبي؛ (واقتبست منها الأبيات التي سترد أدناه):
(عُرْسٌ مِنَ الجِنِّ في الصَّحْراءِ قَدْ نَصبَوا
لَهُ السُّرادِقَ تَحْتَ الَّليْلِ وَالقُبَبا).
وجاءت القصيدة أثناء احتفال مدينة حلب السورية بالشاعر اللبناني الكبير (أكتوبر 1935) تقديرُا لتألقه ونبوغه الشعري؛ ولأنه يشدو بقلب حلب وبين أهلها المُحبين له الطروبين لشعره؛ فكان حضور صَدَى شاعر حلب أبي الطيّب المتنبي يُعطّر أجواء الاحتفالية المُميّزة؛ كما صَدَح الشاعر بمآثر أميرها العربي ومؤسس إمارتها أبي الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ أبي الهَيْجاءِ الحَمْدانِيُّ (سيف الدولة) الذي كان للمتنبي دور تفاعلي كبير لذيوع شهرته حتى الآن:
(رَب القوافي على الإطلاق شاعرهم
الخُلد والمَجد في آفاقه اصطَحبا
يا مُلْبِسَ الحِكْمَةِ الغَرَّاءِ رَوْعَتَها
حَتَّى هَتَفْنَا: أَوَحْيًا قُلْتَ أَمْ أَدَبا)؟!
- الاحتفالية بقصيدة (عُرس مِن الجِن) التي أعدّها نَفَر مِن الجَانّ كعرس لمِيلاد (مُتخيَّل) للمتنبي نالت قسطًا وافرًا من قصيدة الشاعر الكبير (الأخطل الصغير) وشدَّت انتباه الشعراء من حوله؛ ومن الأقطار الأخرى! وحظيت بقبول أدبي لُغَوي بَلاغِي من النقاد؛ واستعذبتها الذائقة الشعرية العربية؛ والعالمية حيث الترجمات لروائع الأدب العربي:
(نادى ابوه عظيم الجن عترته
فأقبلوا ينظرون البدعة العجبا
ماذا نسميه؟ قال البعض صاعقة
فقال: كلا فقالوا عاصفا فأبى
فقام كالطود منهم مارد لَسِنٌ
وقال لم تُنصفُوه اسمًا ولا لقبا
واختال غير قليل ثم قال لهم
سَمَّيته المتنبي فانتشوا طَربا)!
- هذا الصِّيت التاريخي الأدبي الشعري لأبي الطّيّب ربما لَمْ يَنَل من ورائه مطالب دنيوية كانت مُلازمة له؛ وهذه من سنن الكون الإلهية:
(لولا طماحك ما غنيت قافية
بوأتها الشمس أو قلدتها الحقبا
قد يؤثر الدهر إنسانا فيحرمه
من يمنع الشيء أحيانا فقد وهبا).