عبد العزيز الموسى
ثمة مفاهيم لا تتحدد بحدود اللغة؛ لأنها تتكون في ضمير الأمم قبل أن تستقر في معاجمها، والوطنية واحدة من تلك المفاهيم؛ فهي ليست عاطفة عابرة تستيقظ في لحظات الانتصار، ولا حماسة تشتد في أوقات الأزمات، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما علاقة حضارية تتشكل بين الإنسان ووطنه، وبين المجتمع والدولة، حتى يغدو الانتماء مسؤوليةً قبل أن يكون شعورًا، وقيمةً تُقاس بالأثر قبل أن تُقاس ببلاغة الخطاب.
ولعل أكثر ما أصاب مفهوم الوطنية بالاختزال أنها أصبحت، في كثير من الأحيان، موضوعًا للخطابة أكثر من كونها موضوعًا للتفكير؛ فغلبت عليها اللغة الوجدانية، بينما تراجعت الأسئلة التي تؤسس لمعناها: ما الذي يجعل الإنسان وطنيًا؟ وهل يكفي أن يحب وطنه، أم أن هذا الحب لا يكتمل إلا إذا تحول إلى التزام أخلاقي ينعكس في احترام النظام، وصيانة الحقوق، والإسهام في العمران؟ إن الفرق بين الشعور والسلوك هو، في جوهره، الفرق بين الوطنية بوصفها إحساسًا، والوطنية بوصفها قيمة.
لا يَخدَعَنَّكَ هُتافُ القومِ بالوَطَنِ
فالقومُ في السِّرِّ غيرُ القومِ في العَلَنِ
فالبيت لا يوجه نقده إلى الوطنية، وإنما إلى الاكتفاء بتمثيلها في اللغة؛ فالهتاف قد يوقظ المشاعر، لكنه لا يقيم عدلًا، ولا يحفظ أمنًا، ولا يبني مدرسة، ولا ينهض باقتصاد. إن الكلمات تكتسب قيمتها حين تتحول إلى أفعال، والوطنية لا تثبت بكثرة الحديث عنها، وإنما بما تتركه من أثر في حياة الناس.
ومن هنا تبدو الوطنية رابطةً أخلاقية قبل أن تكون حالةً وجدانية؛ فهي تجعل الإنسان مسؤولًا عن المجال العام، وشريكًا في حماية مجتمعه، ومعنيًا بمستقبل وطنه. والانتماء، بهذا المعنى، ليس مجرد اعتزاز بالماضي، ولا تعلق بالأرض وحدها، بل استعداد دائم لتحمل مسؤولية الحاضر وصناعة المستقبل. ولذلك لا يُعرف المواطن الصالح بوفرة ما يقوله عن وطنه، وإنما بما يضيفه إليه من عمل، وبما يتحمله من واجب، وبما يلتزمه من أمانة.
وقد ارتبط هذا المعنى، في الفكر السياسي، بالسؤال عن أصل الدولة ووظيفتها؛ فقد رأى جان جاك روسو «أن المجتمع السياسي لا يقوم على الغلبة، وإنما على عقد اجتماعي يتوافق الأفراد بمقتضاه على إقامة سلطة تحفظ الحقوق وتصون الأمن». ولم يكن العقد عنده مجرد صيغة قانونية، بل رابطة أخلاقية تجعل احترام القانون احترامًا للإرادة العامة التي ارتضاها الجميع، وبذلك يصبح الانتماء للوطن التزامًا بالنظام الذي يصون المصلحة المشتركة، لا مجرد ارتباط بالمكان.
ثم جاء هيغل ليمنح الفكرة أفقًا أوسع، فرأى «أن الدولة ليست جهازًا لإدارة المصالح، بل التعبير الأعلى عن الإرادة الأخلاقية للمجتمع»؛ فالحرية، في تصوره، لا تزدهر خارج القانون، وإنما تتحقق من خلاله؛ لأن القانون هو الذي ينظم الحقوق، ويوازن بين المصالح، ويحول الحرية من رغبة فردية إلى قيمة اجتماعية مشتركة. ومن ثم يصبح الوطن فضاءً للعدالة والمؤسسات والقيم، لا مجرد حدود جغرافية أو سلطة سياسية.
ولم يكن التراث الإسلامي بعيدًا عن هذا الأفق الفكري، وإن اختلفت منطلقاته ومصطلحاته. فالماوردي، وهو تؤصل لفلسفة الحكم، جعل من غاية الإمامة «سياسة الدنيا وحراسة الدين»، وهي عبارة تختزل وظيفة الدولة في حفظ انتظام المجتمع وصيانة المصالح العامة، لا في مجرد ممارسة السلطة. ومن هنا ارتبطت شرعية الدولة بقدرتها على إقامة العدل، وحماية الجماعة، وتحقيق الاستقرار؛ لأن السلطة لا تستمد مشروعيتها من وجودها وحده، بل من وفائها بالغاية التي قامت من أجلها.
ثم نظر ابن خلدون إلى الدولة من زاوية العمران، فرأى «أن المجتمعات لا تستقيم إلا برابطة جامعة تحفظ وحدتها، وأن الدول تبدأ في التراجع حين تتقدم الولاءات الخاصة على المصلحة العامة». ولم يكن حديثه عن العصبية دعوة إلى التعصب، بقدر ما كان تفسيرًا للقوة الاجتماعية التي تجعل الناس قادرين على الاجتماع حول مشروع مشترك، قبل أن تنتقل الدولة إلى مرحلة تستند فيها إلى القانون والمؤسسات.
أما الشاطبي فقد نقل النقاش إلى مستوى المقاصد الكلية في الشريعة الإسلامية، حين قرر «أن الشريعة إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد، وأن حفظ الضرورات الخمس لا يستقيم إلا في مجتمع آمن، ودولة مستقرة، ونظام يردع الفوضى ويصون الحقوق». وهكذا يلتقي الفكر الإسلامي مع الفلسفة السياسية في حقيقة واحدة، هي: «أن انتظام الحياة العامة ليس مجرد ضرورة إدارية، بل قيمة أخلاقية وشرط من شروط العمران الإنساني».
وعلى الرغم من اختلاف الأزمنة والمرجعيات بين روسو وهيغل، والماوردي وابن خلدون والشاطبي، فإنهم يلتقون عند فكرة مركزية واحدة: «أن الدولة لا تستقر إلا إذا وجدت رابطة عامة تسمو على المصالح الفردية، وتجعل الخير المشترك أساس الاجتماع الإنساني». وهذه الرابطة هي التي تمنح الوطنية معناها الحقيقي؛ لأنها تحول الانتماء من شعور إلى مسؤولية، ومن عاطفة إلى التزام، ومن فكرة مجردة إلى ممارسة يومية.
غير أن الأفكار، مهما بلغت درجة إحكامها، لا يتجلى أثرها الكامل ما لم تتحول إلى مؤسسات تنظم حياة الناس. ولهذا لم يكن قيام الدولة الحديثة مجرد تطور في أدوات الإدارة، بل تحولًا في معنى الانتماء ذاته؛ من ولاءات تضيق بالاختلاف إلى مواطنة تتسع له، ومن روابط شخصية إلى رابطة عامة يحتكم الجميع في إطارها إلى القانون.
ومن هنا لم تعد الوطنية شعورًا وجدانيًا فحسب، بل أصبحت علاقة قانونية وأخلاقية متبادلة بين الدولة والمواطن؛ فالدساتير الحديثة لا تقتصر على تنظيم السلطات العامة، وإنما تؤسس أيضًا لمنظومة من الحقوق والواجبات تجعل الانتماء مشاركةً في بناء الدولة، لا مجرد الانتساب إليها. فكل حق يكتسب معناه في ظل واجب يقابله، وكل واجب يجد مشروعيته في صيانة المصلحة العامة وحماية الكيان الوطني.
وفي المملكة العربية السعودية - حرسها الله - عبّر النظام الأساسي للحكم عن هذا التصور بوضوح؛ إذ جعل العدل، والشورى، والمساواة وفق الشريعة الإسلامية من الأسس التي تقوم عليها الدولة، وأكد حماية الوحدة الوطنية، وصيانة الأمن، ورعاية الحقوق، وتعزيز التماسك الاجتماعي. وهذه المبادئ لا تُقرأ بوصفها نصوصًا قانونية مجردة، بل باعتبارها الإطار الذي تنشأ في ظله علاقة متوازنة بين الدولة والمواطن، قوامها الثقة المتبادلة وتحمل المسؤولية المشتركة.
ولعل قوة الانتماء الوطني لا تُقاس بما تتضمنه النصوص وحدها، بل بقدرة المجتمع على تحويلها إلى واقع حي. فحين يطمئن الإنسان إلى عدالة القانون، ويثق بأن الكفاءة هي معيار الفرص، ويشعر أن كرامته مصونة، يغدو الوطن بالنسبة إليه فضاءً للمشاركة قبل أن يكون مكانًا للإقامة، ويصبح احترام النظام تعبيرًا عن احترام الوطن ذاته. ولا يقتصر هذا الفهم على التجارب الوطنية، بل يجد صداه في النظام الدولي المعاصر؛ فقد قام ميثاق الأمم المتحدة على مبادئ احترام سيادة الدول، والمساواة بينها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية؛ وهي مبادئ لم تنشأ من فراغ، بل كانت ثمرة تجارب تاريخية أدركت أن استقرار العالم يبدأ من استقرار الدول، وأن السلم الدولي لا ينفصل عن احترام استقلالها ووحدة أراضيها. ومن ثم فإن الانتماء الوطني لا يناقض الانفتاح على العالم، بل يمنحه أساسًا أكثر توازنًا ومسؤولية.
وإذا كان القانون قد رسم للوطنية إطارها المؤسسي، فإن الثقافة والقيم تمنحانها روحها. ومن هنا تتجلى أهمية الخطاب الديني الرشيد، لا بوصفه بديلًا عن الوطنية، بل معينًا أخلاقيًا يعمق معانيها ويهذبها؛ فالإسلام الحق لا يجعل الانتماء عصبية تعلو على الحق، ولا يحوله إلى ولاء مجرد من القيم، وإنما يربطه بحفظ المصالح العامة، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وإقامة العدل، وصيانة المجتمع من أسباب الفوضى والتنازع.
ولذلك جاء دعاء إبراهيم الخليل عليه السلام: «رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا»؛ فجعل الأمن أساس العمران قبل أن يكون مطلبًا سياسيًا؛ إذ لا تزدهر الحضارة في بيئة مضطربة، ولا تستقر الحقوق في غياب الطمأنينة. كما أن حنين النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى مكة المشرفة عند مفارقتها يقرر أن محبة الوطن شعور إنساني أصيل، غير أن هذا الشعور لا يكتمل إلا إذا اقترن بالوفاء والعمل والإصلاح.
ومن هنا فإن الوطنية لا تُختبر في لحظات الحماس، وإنما في تفاصيل الحياة اليومية؛ في إتقان العمل، وصيانة المال العام، واحترام النظام، وأداء المسؤوليات، والإحسان إلى الناس. فهذه الأعمال الهادئة هي التي تصنع الأثر التراكمي الذي يقوم عليه عمران الأوطان، وهي التي تمنح الانتماء معناه العملي.
ولعل هذا ما يفسر أن الأمم التي نجحت في بناء دول مستقرة لم تجعل الوطنية موضوعًا دائمًا للخطب، بل حولتها إلى ثقافة مؤسسية تتجسد في التعليم، والقضاء، والإدارة، والاقتصاد، وسلوك الأفراد. فالأوطان لا تنهض بقوة الخطاب، وإنما بجودة المؤسسات، وعدالة الأنظمة، وثقة الإنسان في مجتمعه ودولته.
ولهذا يمكن التمييز بين وطنية تستنفد طاقتها في إثارة الشعور، ووطنية توظف هذه الطاقة في بناء الإنسان: الأولى تحقق أثرًا عابرًا، أما الثانية فتراكم الثقة، وتعزز الاستقرار، وتوسع دوائر المشاركة، وتجعل الانتماء قوة دافعة نحو التنمية والإبداع. ولذلك فإن مستقبل الأوطان لا يصنعه أكثر الناس حديثًا عنها، بل أكثرهم التزامًا بخدمتها، والبون بين الفريقين شاسع؛ فالأول في الغالب مرتزق أو متلون، والثاني في الحقيقة مخلص وصادق.
وهكذا تبدو الوطنية مشروعًا حضاريًا متصلًا، يبدأ من الضمير، لكنه لا يتوقف عنده؛ إذ يمتد إلى المؤسسة، وينعكس في جودة الحياة، واستقرار المجتمع، وقدرة الدولة على تحقيق التنمية وصيانة كرامة الإنسان. إنها ليست فكرة تُستدعى في المناسبات، بل ممارسة يومية يتجدد بها العقد الأخلاقي بين المواطن ووطنه وولاته.
ويبقى الوطن أكبر من كل خطاب يُلقى باسمه؛ فالكلمات قد توقظ المشاعر، لكنها لا تشيد طريقًا، ولا تؤسس جامعة، ولا تحقق عدلًا، ولا تصنع مستقبلًا. أما العمل الصادق، والمؤسسات الراسخة، وسيادة القانون، والضمير الحي، فهي اللغة التي يقرأ بها الوطن إخلاص أبنائه.
وبهذا المعنى، لا تكون الوطنية عاطفة تُستهلك في الخطاب، بل قيمة تُقاس بالأثر، ومسؤولية تُترجم إلى عمل، وعقدًا أخلاقيًا يتجدد كل يوم بين الإنسان ووطنه. وكلما انتقلت الوطنية من دائرة الشعور إلى ميدان الفعل، ومن فضاء الخطابة إلى ثقافة المسؤولية، ازدادت رسوخًا، وأصبحت أحد أهم مقومات العمران واستدامة التنمية؛ لأنها لا تكتفي بإيقاظ المشاعر، بل توجهها نحو بناء المستقبل.