أحمد الشيخ
جاء إعلان المملكة العربية السعودية بتسمية عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي» تتويجًا لمسار تقني طموح رسّخ حضور المملكة في المرتبة الخامسة عالميًا والأولى عربيًا في نمو قطاع الذكاء الاصطناعي وفق المؤشر العالمي للذكاء الاصطناعي. وهو إعلان يحمل دلالات حضارية عميقة، ويعكس توجه المملكة بثقة نحو موقع ريادي في سباق الابتكار العالمي. ففي عالم يُعاد تشكيل اقتصاده حول البيانات والخوارزميات، تختار المملكة أن تكون صانعةً للمستقبل عبر استثمارها في الذكاء الاصطناعي كقوة محركة تعيد تعريف القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها سلاسل الإمداد والتصنيع والزراعة.
ومع تصاعد التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي واستدامة الموارد، يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة استراتيجية محورية، قادرة على رفع الكفاءة، وتقليل الهدر، وتعزيز إدارة الموارد بذكاء أكبر. ويمثل هذا الإعلان انطلاقة لحراك وطني واسع يعيد تعريف دور التقنيات المتقدمة في بناء مستقبل أكثر ذكاءً وكفاءة، حيث يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي ليحسّن حياة الإنسان؛ ابتداءً من المُزارع الذي يستفيد من التنبؤات الذكية لتحسين إنتاجه، ووصولًا إلى المستهلك الذي يحصل على غذاء أعلى جودة.
وينبثق التوجه نحو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي من رؤية السعودية 2030، التي وضعت منذ انطلاقتها هدفًا واضحًا يتمثل في بناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة والتقنية. فالذكاء الاصطناعي هو البنية التحتية الذكية التي ستدعم مستهدفات الرؤية في الصناعة والزراعة والخدمات اللوجستية، وتُسهم في رفع كفاءة الإنفاق، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ مكانة المملكة مركزًا عالميًا للابتكار.
وإذا ما استعرضنا تأثيرات الذكاء الاصطناعي في عدد من القطاعات سنلمس كيف قفز هذا المحرك بأدائها نحو آفاق جديدة. ففي قطاع التصنيع، تجاوز الذكاء الاصطناعي تحسين خطوط الإنتاج، ليصبح الممكّنَ الرئيسي للمصانع الحديثة. إذ تتجه المملكة نحو إنشاء مصانع ذاتية التعلّم، قادرة على التنبؤ بالأعطال قبل وقوعها، وضبط جودة الإنتاج لحظيًا، وتقليل الفاقد إلى أدنى مستوى ممكن. وهذا التحول يخلق نموذجًا صناعيًا جديدًا يعتمد على الابتكار وذكاء البيانات، ويُسهم في تحقيق مستهدفات التصنيع المحلي ضمن أهداف الرؤية الوطنية.
أما في قطاع الزراعة، فيواجه العالم تحديات متصاعدة تتعلق بالمياه والمناخ وضغوط الطلب على الغذاء. وفي هذا السياق، يقدّم الذكاء الاصطناعي حلولاً عملية تشمل تحليل التربة بدقة عالية، وجدولة الري وفق الاحتياج الفعلي للمحاصيل، والكشف المبكر عن الأمراض النباتية قبل انتشارها. وتكتسب هذه الحلول أهمية مضاعفة في المملكة العربية السعودية التي تعمل على تعظيم الإنتاجية الزراعية في ظل محدودية الموارد المائية، ما يجعل الزراعة الدقيقة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ركيزةً جوهرية لتحقيق الأمن الغذائي الوطني.
وعلى صعيد سلاسل الإمداد، تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى محرك رئيسي للمرونة والاستجابة. فمنظومة سلاسل الإمداد اليوم تعتمد على خوارزميات تتوقع الطلب بدقة عالية، وتقلل من تكاليف المخزون، وتضمن توافر المنتجات في الوقت المناسب وبالكميات المطلوبة. ومن خلال تحليل بيانات المبيعات والظروف الجوية وسلوك المستهلك في آنٍ واحد، تستطيع الشركات اتخاذ قرارات لوجستية أكثر دقةً وسرعةً مما كان ممكنًا في السابق.
وتُجسّد شركات قطاع الغذاء والسلع الاستهلاكية الرائدة نموذجًا واضحًا لهذا التحول، إذ تعتمد اليوم على أنظمة ذكاء اصطناعي وكيلة تعمل باستقلالية عالية عبر سلاسل القيمة؛ من خطوط الإنتاج حتى نقاط البيع. فمن خلال شراكات تقنية متقدمة وأنظمة سحابية متكاملة، باتت هذه الشركات قادرة على تحقيق رؤية شاملة وآنية لسلسلة الإمداد من المزرعة إلى رف المتجر، وهو ما يُمكّن فرق العمل من اتخاذ قرارات استباقية تدعم الأمن الغذائي وتعزز كفاءة الموارد. هذه النماذج التشغيلية تُقدّم دروسًا قيّمة لمنظومة الأعمال السعودية وهي تسير في مسار التحول الرقمي.
غير أن الاندفاع نحو الذكاء الاصطناعي يجب ألا أن يكون بمعزل عن المسؤولية. فاعتماد هذه التقنية يقتضي بناء أطر حوكمة واضحة، تضمن الشفافية وتحمي الخصوصية، وتحول دون التحيز الخوارزمي، وتُبقي القرارَ النهائي في يد الإنسان. ولعل أبرز ما تعكسه مبادرة «الذكاء الاصطناعي المسؤول» على المستوى الوطني هو إدراك المملكة أن القوة التقنية الحقيقية تكمن في الجمع بين الأداء والأخلاق، وأن الثقة الاجتماعية في هذه التقنيات شرط لا غنى عنه لاستدامتها.
وتبقى المعادلة الإنسانية حاضرة بقوة في قلب هذا التحول. فالذكاء الاصطناعي ممكن ومطور للكفاءات البشرية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون بديلًا عنها. ومهمة القطاع الخاص اليوم تفوق توظيف التقنية، إلى الاستثمار في بناء الكوادر الوطنية المؤهلة للتعامل مع هذه التقنيات، وقيادة توظيفها نحو نتائج أكثر ازدهارًا وعدالة.
إن عام الذكاء الاصطناعي في المملكة هو استراتيجية متكاملة تقوم على تكامل القطاعين العام والخاص، واستيعاب التقنية لخدمة الإنسان وتحقيق أهداف التنمية. ويعكس هذا التوجه قناعة راسخة بأن مستقبل الأمم يُبنى بامتلاك التقنية وتوجيهها نحو التنمية المستدامة. والمملكة اليوم بنظرتها الاستراتيجية وطموحها المتجدد تقود مسيرة الابتكار لتكتب فصلاً جديدًا في مستقبل التنمية الرقمية الإقليمية والعالمية.
** **
- رئيس ومدير عام شركة بيبسيكو في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وباكستان للأغذية