د. إبراهيم بن جلال فضلون
هناك فرق بين أن يكون التدخل الأجنبي قضية، وأن يصبح لغة سياسية. فالقضية تبحث عن الأدلة، أما اللغة فتبحث عن التأثير. فأكبر تهديد للديمقراطيات الحرة لا يأتي من طلقات الأعداء الخارجية، بل من الساسة الذين يحطمون سور الثقة بين الشعب ومؤسساته من أجل حفنة مكاسب حزبية، فأخطر ما تواجهه الديمقراطيات الحديثة ليس عدوها الخارجي الذي يتربص بها، بل هو القائد الذي يتخذ من تقويض الثقة بمؤسسات بلده أداةً رخيصةً لإدامة سلطانه، وحين يختار رأس السلطة التنفيذية في أكبر ديمقراطية في العالم أن يتحول من حارس للعملية الديمقراطية إلى مروج رئيس للشكوك والريبة حولها، فإن القواعد الأساسية للعبة السياسية تتغير برمتها. لقد كان مسار التعاطي مع التدخلات الأجنبية في الانتخابات الأمريكية يخضع لبروتوكولات مؤسسية واضحة، أُسست بقوانين صريحة والتزامات استخباراتية دقيقة لضمان الشفافية وحماية الأمن القومي. غير أن المشهد السياسي الراهن يشهد انقلاباً جذرياً؛ إذ تتراجع المؤسسات الرسمية لصالح سرديات شخصية تُدار لأغراض سياسية بحتة، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات كبرى حول مصير النظم الديمقراطية في مواجهة إستراتيجيات التضليل المنهجي.
وليس من قبيل المصادفة أن يكثر دونالد ترامب من استدعاء هذا المفهوم كلما اقترب الاستحقاق الانتخابي أو اشتدت المنافسة السياسية، فترامب يدرك، بحسه الإعلامي أكثر من إدراكه السياسي أحيانًا، أن المصطلحات لا تقل تأثيرًا عن القرارات، فالكلمة، إذا نجحت في احتلال وعي الجمهور، تستطيع أن تفرض جدول أعمال كاملًا، وأن تدفع القضايا الأخرى إلى الهامش، مهما بلغت أهميتها.
أولاً: من الشفافية إلى التعتيم الموجه: في أعقاب التطورات التي شهدتها المشاهد الانتخابية الأمريكية السابقة، أدرك المشرعون وصناع القرار أن مواجهة التدخلات السرية للقوى الأجنبية، سواء من (الصين أو روسيا أو إيران أو غيرها)، تتطلب شفافية مطلقة وتنسيقاً تاماً مع أجهزة الاستخبارات، حيثُ ترجمت هذه الإرادة في قوانين ملزمة تفرض على الإدارات المتعاقبة تقديم تقييمات دورية ومفصلة للكونغرس والشعب الأمريكي ونراها في مسارين:
المسار المؤسسي السابق: إشراف دقيق من قبل مراكز متخصصة، مثل مركز التأثير الخارجي الخبيث، وتقديم إحالات إعلامية وقانونية دورية تكشف خيوط العمليات السيبرانية وحملات التوجيه الموجه.
الواقع المستجد: تفكيك الهياكل الرقابية، وحجب التقارير الاستخباراتية الرسمية عن الرأي العام، وتعطيل الآليات القانونية التي تضمن إلزام الإدارة بتقديم التقييمات في مواعيدها المحددة.
هذا التراجع المنهجي في الشفافية ليس مصادفة بل جاء متزامناً مع إستراتيجية واضحة لتفريغ المؤسسات من محتواها، واستبدال التقارير المهنية المبنية على الأدلة بخطابات سياسية تركز على تحقيق مكاسب حزبية ضيقة على حساب الاستقرار الوطني العام.
ثانيًا: سياسات التعامل مع التدخلات الانتخابية: تعكس الأرقام حجم التهديد وتأثيره المباشر على بنية الديمقراطية؛ ووفق قراءة رقمية دقيقة لمؤشرات الأمن الانتخابي ومؤسسات الرصد؛ حيث شهدت المرحلة السابقة التزاماً مؤسسياً تمثل في إصدار تقييمات دورية ملزمة للرأي العام والكونغرس، وتفعيل مهام مركز التأثير التابع لـ أمانة الاستخبارات ومكتب التحقيقات الفدرالي عبر إصدار (خمسة) تنبيهات علنية على الأقل للتحذير من العمليات السيبرانية الروسية والإيرانية قبيل الاستحقاقات الكبرى. لنرى في المقابل، ما أداه الانتقال إلى مرحلة التسييس والتعتيم في الإدارة الحالية إلى إيقاف إصدار التقييمات الإلزامية قبل مرور 180 يوماً أو 60 يوماً قانونياً، وتفكيك الهياكل المتخصصة لرصد التدخلات الخبيثة. وعلى صعيد الفئات الناخبة التي تُحسم بها السيطرة على المؤسسات التشريعية في انتخابات حاسمة، تُظهر الأرقام أن ولايات مثل «آيوا» تضم نحو مليوني ناخب، و«ماين» حوالي مليون ناخب، و«ألاسكا» نحو 600 ألف ناخب، وهي كتل ديموغرافية ضيقة كفيلة بتغيير المعادلة السياسية تحت وطأة التضليل المنهجي وحجب البيانات الرسمية.
ثالثًا: الواقع وتهميش التهديدات الحقيقية: فبينما ينشغل رأس الهرم السياسي في واشنطن في اجترار خطابات التشكيك والاتهامات المرسلة، تشير المعطيات الأمنية والتقنية إلى أن التهديدات الحقيقية لم تعد تكمن في تغيير أصوات الناخبين بصورة مباشرة، وهو أمر يؤكد الخبراء صعوبته البالغة، بل وفي تكتيكات التأثير غير المباشر التي تطورت بشكل مذهل. ولعل الانتشار الواسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، واستخدام الفيديوهات المزيفة العميقة، وحملات التوجيه السيبراني الممنهجة، شكلت خطراً حقيقياً أثر في الدوائر الانتخابية الضيقة التي تحسم غالباً السيطرة على المؤسسات التشريعية. ومع إلغاء المهام الاستباقية لفرق الرصد والتتبع، بات المجتمع الأمريكي والمؤسسات السياسية يعتمدون بصورة شبه كاملة على مبادرات القطاع الخاص المحدودة، في وقت تستغل فيه قوى إقليمية ودولية هذا الفراغ لتمرير أجنداتها دون رادع مؤسسي يكشف زيفها للرأي العام.
رابعًا: تآكل الموثوقية المؤسسية: يعرض النظام السياسي لهزات ارتدادية عميقة المدى. عندما تفقد السلطة التنفيذية قدرتها أو رغبتها في تقديم رواية محايدة وموثوقة مدعومة بالحقائق الاستخباراتية، فإن أي تحذير جدي مستقبلًا من عمليات تدخل أجنبي حقيقية سيقابل بحالة من التشكيك الشعبي والحزبي الواسع، وفي ظل استقطاب سياسي حاد واقتراب استحقاقات انتخابية مفصلية، مثل انتخابات منتصف المدة والاختبارات الرئاسية اللاحقة، فإن الهدف الأساسي للأعداء التقليديين للولايات المتحدة، المتمثل في زرع الشكوك العميقة في شرعية ونزاهة الديمقراطية الأمريكية، يتحقق بكفاءة عالية، ولكن هذه المرة بأيدي أبناء النظام السياسي أنفسهم، مما يجعل الجبهة الداخلية هي الحلقة الأضعف في منظومة الأمن القومي.
وقفة: «حين يفقد المجتمع ثقته بمؤسساته ويتحول الحاكم إلى مروّج للريبة، فإن الأعداء الخارجيين لا يحتاجون إلى بذل أي جهد لتدمير الدولة، لأنها تكون قد بدأت في تفكيك ركائز بقائها بنفسها». فحماية الديمقراطيات الحقيقية لا تتأتى عبر طمس الحقائق أو تسييس التقارير الاستخباراتية لخدمة أجندات سياسية عابرة، بل تكمن في صلابة المؤسسات، والشفافية المطلقة مع المواطنين، والاحترام الصارم للقوانين الناظمة للعمل العام. وحين يتحول ملف الأمن الانتخابي إلى ورقة ضغط في صراع السلطة، تصبح النظم الديمقراطية رهينةً لتناقضاتها الداخلية، عاجزة عن صد أي خطر خارجي يتربص باستقرارها ومستقبل شعوبها.