أنس تشكالا
كل صباح، نسلك الطريق نفسه، ونمر بالوجوه ذاتها، ونعبر الأماكن التي ألفناها حتى أصبحت جزءًا من المشهد اليومي. لكن كم مرة توقفنا لنسأل أنفسنا: ماذا فاتنا ونحن نظن أننا رأينا كل شيء؟ إن الإنسان لا يفقد قدرته على النظر، بل قد يفقد قدرته على الملاحظة. وبين النظر والملاحظة مسافة تصنع الفرق بين من يعيش الحياة، ومن يمر بها مرورًا عابرًا.
نحن نعتقد أن الأشياء الكبيرة هي التي تغيّر حياتنا، بينما كثير من التحولات تبدأ من تفاصيل صغيرة لا تلفت الانتباه. كلمة عابرة قد تمنح إنسانًا أملًا جديدًا، وابتسامة صادقة قد تبدد همًّا ثقيلًا، وقرار بسيط قد يرسم مستقبلًا مختلفًا. غير أن هذه التفاصيل، على صغرها، تضيع وسط ضجيج الأيام، لأن أعيننا اعتادت البحث عن الاستثنائي، وأهملت العادي الذي يحمل في داخله معجزته الخاصة.
لقد علّمتنا الحياة أن نقيس القيمة بالحجم؛ فالإنجاز الكبير يستحق الاحتفاء، أما الجهود الصغيرة فتمر دون أن يلتفت إليها أحد. ومع أن الشجرة العظيمة تبدأ ببذرة، والكتاب يبدأ بحرف، والرحلة تبدأ بخطوة، فإننا لا نرى إلا الثمرة الأخيرة، وننسى البدايات التي صنعتها.
ومن غرائب النفس البشرية أنها تعتاد النعم حتى تكاد تنساها. نستيقظ كل يوم ونحن نرى الشمس تشرق، فلا نشعر بأنها نعمة لأنها تتكرر. نسمع أصوات من نحب، ونمشي على أقدامنا، ونتنفس دون عناء، ثم لا نتذكر قيمة هذه النعم إلا إذا فقدنا واحدة منها. وكأن الاعتياد يضع ستارًا بيننا وبين الامتنان.
وليس الأمر مقصورًا على النعم المادية، بل يمتد إلى العلاقات الإنسانية. فكثيرًا ما نبحث عن أشخاص جدد، بينما نهمل الذين كانوا إلى جانبنا في أصعب الأيام. ننشغل بالبعيد، ونغفل القريب، حتى تصبح المحبة عادة لا نشعر بقيمتها إلا عندما يغيب أصحابها. ولعل أكثر ما يؤلم الإنسان ليس الفقد نفسه، بل اكتشافه المتأخر أنه لم يمنح بعض الأشخاص ما يستحقونه من اهتمام.
وفي عالم السرعة، أصبحت الملاحظة مهارة نادرة. فنحن نقرأ بسرعة، ونتحدث بسرعة، ونحكم بسرعة، حتى إننا فقدنا رفاهية التأمل. تمر أمامنا عشرات المشاهد كل يوم، لكن القليل منها يترك أثرًا؛ ليس لأنها بلا معنى، بل لأننا لم نمنحها الوقت الكافي لتكشف عن معناها.
وقد كان العلماء والأدباء يدركون أن الاكتشاف يبدأ بالملاحظة. فكم من فكرة عظيمة وُلدت من سؤال بسيط، وكم من اختراع بدأ بتفصيل صغير لم يلتفت إليه غير صاحبه. إن العقل المبدع ليس هو الذي يرى ما لا يراه الناس، بل الذي ينتبه لما يراه الجميع ثم يسأل عنه بطريقة مختلفة.
ولعل هذا ما نحتاج إليه في حياتنا اليومية أيضًا؛ أن نبطئ قليلًا. أن ننظر إلى وجوه من نحب وهم يتحدثون، لا إلى شاشات هواتفنا. أن نلاحظ تعب الأب الذي لا يشتكي، وصبر الأم الذي لا يعلن عن نفسه، واجتهاد المعلم الذي لا ينتظر تصفيقًا، وعطاء العامل الذي يجعل حياتنا أسهل دون أن نعرف اسمه. إن المجتمع لا يقوم على الأبطال المشهورين وحدهم، بل على آلاف الأشخاص الذين يعملون بصمت، ولا يلتفت إليهم أحد.
ومن الأشياء التي لا نلاحظها كذلك مرور الزمن. فنحن لا نشعر بأن أبناءنا يكبرون يومًا بعد يوم، ولا بأن آباءنا يشيخون عامًا بعد عام، لأن التغيير يحدث ببطء. لكننا نستيقظ فجأة لنكتشف أن السنوات مضت، وأن كثيرًا مما ظنناه دائمًا كان مؤقتًا. عندها فقط ندرك أن الزمن لا يسرق الأشياء دفعة واحدة، بل يأخذها منا بهدوء.
وليس المقصود من الملاحظة أن نبحث عن الكمال في كل شيء، وإنما أن نستعيد قدرتنا على رؤية الجمال المختبئ في التفاصيل. ففنجان قهوة مع صديق قد يكون أثمن من مناسبة فاخرة، وحديث صادق مع أحد الوالدين قد يبقى في الذاكرة أكثر من رحلة بعيدة، وكتاب صغير قد يغيّر حياة كاملة.
إن الامتنان نفسه يبدأ بالملاحظة. فمن ينتبه إلى ما لديه، يقل انشغاله بما ينقصه. ومن يرى النعم الصغيرة، يصبح أكثر رضا، وأهدأ نفسًا، وأقرب إلى السكينة. أما من اعتاد النظر إلى ما ينقصه فقط، فإنه سيظل فقيرًا، ولو ملك الدنيا كلها.
وفي النهاية، ليست الحياة فقيرة بالجمال، بل قد تكون أعيننا هي التي اعتادت العجلة. فالأشياء التي لا نلاحظها ليست هامشية كما نظن؛ إنها في كثير من الأحيان جوهر الحياة نفسها. وما أجمل أن نتعلم، بين حين وآخر، أن نبطئ خطواتنا، وأن نصغي أكثر، وأن ننظر بقلوبنا قبل أعيننا، فربما كانت أعظم نعم الله تمر أمامنا كل يوم، لكنها تنتظر فقط من يلاحظها.