د. أبوبكر إبراهيم محجوب
بعد أن حمل عام 2026 اسم «عام الذكاء الاصطناعي»، تأتي موافقة مجلس الوزراء على تسمية عام 2027 بـ«عام الماء». وتبدو المسافة بين التسميتين واسعة للوهلة الأولى؛ فالأولى ترتبط بإحدى أكثر تقنيات العصر تقدمًا، بينما يمثل الماء أقدم مورد ارتبط بحياة الإنسان واستقراره. لكنهما بكل تأكيد يلتقيان عند سؤال تنموي واحد: كيف يستمر النمو، وكيف نحسن إدارة الموارد التي يقوم عليها؟
فالذكاء الاصطناعي يفتح مساحات جديدة لما يستطيع الإنسان إنجازه، لكن الماء يدخل في أساس ما يستطيع أن يبنيه. المدن تحتاج إليه، وكذلك الصناعة والزراعة والسياحة والطاقة والتعدين. ومع اتساع الاقتصاد السعودي وتنوعه، أصبحت قضية المياه جزءًا من قدرة هذه القطاعات على النمو والاستمرار.
ولهذا تبدو تسمية عام 2027 بـ«عام الماء» أكبر من مناسبة للتوعية بأهمية الترشيد. فهي تتيح فرصة أوسع للنظر إلى الماء بوصفه موردًا اقتصاديًا وتنمويًا، وإلى قطاع المياه باعتباره مجالًا قادرًا على صناعة المعرفة والاستثمار والتقنية وفرص الأعمال.
اقتصاد الماء
واجهت المملكة تحدي الماء منذ عقود، فدفعتها طبيعتها الجغرافية وندرة مواردها العذبة إلى بناء منظومة واسعة للتحلية والنقل والتخزين والمعالجة. وخلال العقد الأخير، تغيرت مؤشرات رئيسة في هذه المنظومة؛ إذ ارتفعت القدرة الإنتاجية للمياه المحلاة من نحو 9 ملايين متر مكعب يوميًا في عام 2016 إلى 16 مليونًا حاليًا، وزادت السعة التخزينية الإستراتيجية بأكثر من 125 في المائة، بالتوازي مع تراجع استهلاك المياه الجوفية غير المتجددة من نحو 21 مليار متر مكعب في 2016 إلى قرابة 11 مليارًا في 2025.
هذه الأرقام لا تتحدث عن حجم الإمداد فقط، بل تفتح مساحة أوسع للتفكير في القيمة الاقتصادية التي يمكن أن تنشأ حول الماء.
فقطاع المياه لا ينتهي عند محطة التحلية أو شبكة التوزيع، بل يمتد إلى سلسلة واسعة من الأنشطة تشمل الهندسة والإنشاء والتشغيل، وصناعة الأغشية والمضخات والصمامات والمعدات، وتقنيات المعالجة وإعادة الاستخدام، والحلول الرقمية، وإدارة الشبكات، والبحث والتطوير، والخدمات الاستشارية والتمويل.
وقد أصبحت مشاركة القطاع الخاص جزءًا واضحًا من هذه المنظومة. ووفق وزارة البيئة والمياه والزراعة، نجحت نماذج الشراكة في القطاع في جذب استثمارات تجاوزت 60 مليار ريال، وأسهمت في خفض تكلفة إنتاج المياه وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة في منظومة الإنتاج. وفي نطاق أكثر تحديدًا، تقود الشركة السعودية لشراكات المياه محفظة استثمارية لبرامج التخصيص تبلغ 56 مليار ريال وتضم 48 مشروعًا، منها 15 مشروعًا دخلت حيز الخدمة.
وتكمن أهمية هذه الأرقام فيما تعكسه من اتساع دور القطاع؛ فمنظومة أنشئت أساسًا لضمان خدمة حيوية أصبحت تفتح أيضًا أسواقًا للاستثمار والتصنيع والتقنية والمعرفة.
الماء داخل حسابات المشروع
تتجاوز الفرصة قطاع المياه نفسه لتصل إلى طريقة تصميم المشروعات وتشغيلها. فالمدينة، والمصنع، والمزرعة، والوجهة السياحية، جميعها تخلق طلبًا على المياه. ولهذا تستحق كفاءة استخدامها حضورًا أكبر منذ المراحل الأولى لدراسة المشروع، إلى جانب التكلفة والطاقة والأثر البيئي.
فالمشروع الذي يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه دون حلول فعالة للإمداد والمعالجة وإعادة الاستخدام يحمل أعباء لا تظهر كلها في حساباته المالية المباشرة. وفي المقابل، فإن تصميم دورة مائية أكثر كفاءة يستطيع تقليل الضغط على الموارد وتحسين كفاءة المشروع وقدرته على الاستمرار.
ومن هنا تكتسب «البصمة المائية» أهمية خاصة. فهي تساعد على تقييم الآثار المرتبطة باستخدام المياه في المنتجات والعمليات والمنظمات، بما يتجاوز حساب كمية الاستهلاك المباشر وحدها. وقد أصبح هذا المجال موضوعًا لمعايير دولية متخصصة، من بينها معيار ISO 14046 لتقييم البصمة المائية.
ولا يعني ذلك أن البصمة المائية أصبحت اشتراطًا رسميًا على المشروعات السعودية، لكنها تقدم عدسة مفيدة يمكن من خلالها طرح أسئلة أكثر دقة: كم يحتاج المشروع من الماء؟ ومن أي مصدر؟ وما الضغط الذي يفرضه على هذا المصدر؟ وكم يستطيع إعادة استخدامه؟ وما القيمة التي ينتجها مقابل ما يستهلكه؟
فالكمية نفسها من الماء يمكن أن تدخل في نشاط زراعي أو صناعي أو سياحي أو عمراني، لكنها لا تحقق بالضرورة القيمة الاقتصادية والاجتماعية نفسها في كل استخدام. ومن هنا تصبح إنتاجية الماء جزءًا من النقاش حول إنتاجية الاقتصاد نفسه.
وتزداد أهمية هذه النظرة في الغذاء والزراعة. فاختيار المحاصيل وتقنيات الري والإنتاج المحلي والاستيراد كلها تحمل أثرًا مائيًا قد لا يكون ظاهرًا للمستهلك.
ولهذا ظهر مفهوم «الماء الافتراضي»، وهو الماء المستخدم في إنتاج سلعة ما. وعندما تنتقل الأغذية والسلع بين الدول، تنتقل معها بصورة غير مباشرة كميات المياه التي استُخدمت في إنتاجها. وتناقش منظمة الأغذية والزراعة هذا المفهوم ضمن العلاقة بين الموارد الطبيعية والتجارة، ولا سيما بالنسبة إلى الدول والمناطق التي تواجه قيودًا مائية.
وهذا لا يعني اختزال قرارات الزراعة أو التجارة في حساب الماء؛ فهناك اعتبارات تتعلق بالأمن الغذائي والاقتصاد وسلاسل الإمداد وغيرها. لكنه يضيف عاملًا يستحق الحضور في بلد يتعامل مع مورد محدود، ويبني في الوقت نفسه اقتصادًا أكبر وأكثر تنوعًا.
الابتكار والاقتصاد الدائري للمياه
لم يعد التطور في تقنيات التحلية يدور حول زيادة الإنتاج فقط. هناك أيضًا توجه إلى الاستفادة مما كان يُنظر إليه في السابق بوصفه ناتجًا جانبيًا للعملية.
ففي نيوم، على سبيل المثال، تتضمن الخطط المعلنة لمنظومة المياه تطوير منشأة لمعالجة الرجيع الملحي الناتج عن التحلية، بهدف استخلاص معادن وفلزات ومواد كيميائية ذات قيمة يمكن الاستفادة منها في تطبيقات صناعية وزراعية. وتضع نيوم معالجة الرجيع الملحي في قلب تصورها لـ«الاقتصاد الدائري للمياه».
ومن المهم هنا التفريق بين الرؤية والتنفيذ؛ فالحديث عن المنشأة وقدراتها المستقبلية جزء من الخطط التي تعمل نيوم على تطويرها، وليس من الدقة التعامل معها باعتبارها نموذجًا وصل بالفعل إلى تشغيل تجاري واسع.
لكن الفكرة نفسها مهمة؛ فما يخرج من مرحلة يمكن أن يصبح مدخلًا لمرحلة أخرى.
والمنطق نفسه ينطبق على المياه المعالجة. فكلما اتسعت القدرة على إعادة استخدامها بأمان في الزراعة والصناعة والتشجير وغيرها من الاستخدامات المناسبة، أمكن تخفيف الضغط على مصادر أخرى من المياه.
أما البيانات التي تنتجها الشبكات والمنشآت فتفتح مسارًا آخر للقيمة. وهنا يلتقي عاما الذكاء الاصطناعي والماء بصورة عملية؛ إذ يجري تطوير واختبار تطبيقات للذكاء الاصطناعي في كشف التسربات، والاستفادة من البيانات والتحليلات الفورية، وتحسين الصيانة التنبؤية ورفع كفاءة تشغيل منظومات المياه.
التقنية هنا لا تعوض المورد، لكنها تستطيع مساعدتنا على استخدامه بكفاءة أعلى.
البحر جزء من الاقتصاد أيضًا
لا يقتصر الماء في المملكة على ما تنتجه المحطات وتنقله الأنابيب. فالبحر الأحمر والخليج العربي يمثلان أيضًا مساحة اقتصادية وبيئية واسعة. حول السواحل تتشكل السياحة البحرية، والموانئ والنقل، والثروة السمكية، والمشروعات العمرانية والترفيهية، وفي داخلها توجد نظم طبيعية من الشعاب المرجانية والمانغروف ومروج الأعشاب البحرية وغيرها.
وفي مشروعات البحر الأحمر السعودية تظهر العلاقة بين الاستثمار والأصل الطبيعي بوضوح؛ فهذه البيئات ليست مجرد إضافة جمالية للمشروع، بل جزء من القيمة التي تقوم عليها الوجهة نفسها. وتصف شركة البحر الأحمر الدولية النظم الساحلية، ومنها المانغروف ومروج الأعشاب البحرية والشعاب المرجانية، ضمن رأس المال الطبيعي للمنطقة وما يوفره من خدمات بيئية واقتصادية.
ومع نمو المشروعات الساحلية، تصبح المحافظة على جودة هذه البيئات جزءًا من المحافظة على قيمة الاستثمار على المدى الطويل.
فالمسطح المائي ليس مجرد مساحة تقع بجوار المشروع؛ في كثير من الحالات هو جزء من رأسماله.
وتتسع هذه النظرة لتشمل السدود والأودية والمياه الجوفية ومياه الأمطار. فإدارة الماء في بلد بمساحة المملكة وتنوع مناطقها لا تقوم على مصدر واحد أو حل واحد، وإنما على منظومة تتغير احتياجاتها وفرصها من منطقة إلى أخرى.
تحدٍ يتجاوز الحدود
تتسع الصورة أكثر عندما ننظر إلى المنطقة من حولنا. فالشرق الأوسط وشمال إفريقيا يواجهان أدنى مستويات توافر المياه للفرد عالميًا. ووفق البنك الدولي، بلغ متوسط المياه المتاحة للفرد في المنطقة نحو 480 مترًا مكعبًا سنويًا في عام 2023، مقارنة بمتوسط عالمي يقارب 5500 متر مكعب، أي أقل من عُشر المتوسط العالمي، كما يقع دون عتبة 500 متر مكعب للفرد سنويًا المستخدمة للدلالة على الندرة المائية المطلقة.
وهذه الندرة لا تبقى داخل حدود قطاع المياه. فأثرها يصل إلى الزراعة والغذاء والمدن والاقتصاد والاستقرار، ويزداد تعقيدًا عندما ترتبط الموارد بأنهار وأحواض ومصادر مشتركة بين أكثر من دولة.
لذلك لا تكفي الحلول الهندسية وحدها. ملف المياه يحتاج أيضًا إلى التمويل والسياسات والبحث العلمي والتقنية والتعاون بين الدول، وإلى قدرة أكبر على الموازنة بين الاستخدامات المتنافسة على المورد.
وفي هذا السياق يأخذ عام 2027 أهمية إضافية بالنسبة للمملكة. فقد أُعلن عن تأسيس المنظمة العالمية للمياه، ومقرها الرياض، في عام 2023، ثم وقعت ثماني دول مؤسسة ميثاقها في مايو 2025. وتستهدف المنظمة تطوير الحلول، وتبادل الخبرات، وتعزيز البحث والابتكار، وتيسير تمويل المشروعات ذات الأولوية.
كما تستضيف الرياض خلال الفترة من 21 إلى 25 مارس 2027 الدورة الحادية عشرة من المنتدى العالمي للمياه. ويتوزع مساره الموضوعي على ستة محاور رئيسة تشمل الأمن المائي، وحوكمة المياه ودبلوماسيتها، والماء للإنسان والطبيعة، وتمويل المياه، والابتكار، وقيمة الماء.
وتمنح هذه التحركات المملكة فرصة تتجاوز عرض تجربتها المحلية. فالخبرة التي تراكمت نتيجة عقود من التعامل مع الندرة والتحلية والنقل والتخزين وإدارة الشبكات يمكن أن تصبح أساسًا لشركات وتقنيات ومعرفة وخدمات تتوسع في أسواق أخرى تواجه تحديات مشابهة.
وهي فرصة ما زالت بحاجة إلى مزيد من البناء، لكنها جديرة بأن تكون جزءًا من طموح «اقتصاد الماء».
مسؤولية تتوزع على الجميع
لا يمكن أن يقع هذا التحول على جهات المياه وحدها. فالجهات الحكومية تضع السياسات والمعايير، وتخطط للموارد وتحميها، لكنها تستطيع أيضًا إدخال كفاءة استخدام المياه بصورة أعمق في قرارات التنمية وتصميم المشروعات.
والقطاع الخاص أمامه مجال أوسع من بناء المحطات وتشغيلها؛ من التصنيع المحلي والتقنية، إلى إعادة الاستخدام وإدارة البيانات والخدمات الهندسية والحلول التي تخفض الفاقد وترفع الكفاءة.
أما القطاعات كثيفة الاستهلاك، من الصناعة والزراعة إلى السياحة والتطوير العقاري، فالماء بالنسبة إليها ليس فاتورة تشغيلية فقط، بل مورد تؤثر طريقة إدارته في تكلفة النشاط وقدرته على النمو.
وللجامعات ومراكز الأبحاث مساحة مهمة أيضًا. فتحديات التحلية والطاقة والرجيع الملحي والتسربات والمعالجة وإعادة الاستخدام ليست مجرد مشكلات تشغيلية؛ بل يمكن أن تتحول إلى أسئلة بحثية، ثم إلى تقنيات وبراءات اختراع ومنتجات وشركات ناشئة.
ويمكن للقطاع المالي أن يكون جزءًا من هذه المنظومة أيضًا، مع اتساع الاهتمام بكفاءة استخدام الموارد والأثر البيئي للمشروعات.
ويبقى المجتمع.ومسؤوليته لا تختصر في إغلاق الصنبور، على أهمية ذلك.
فالثقافة المائية الأوسع تبدأ عندما ندرك أن الماء موجود خلف كثير مما نستهلكه، وليس في فاتورة المنزل فقط؛ في الطعام الذي نأكله، والمنتج الذي نشتريه، والحديقة التي نرويها، والمبنى الذي نصممه.
وتبدأ كذلك عندما تصبح إعادة استخدام المياه المعالجة في المجالات الآمنة والمناسبة أمرًا مفهومًا ومقبولًا، وعندما تدخل كفاءة الماء في ثقافة المدرسة والمزرعة والمصنع والفندق والحي، لا باعتبارها استجابة لحملة مؤقتة، بل سلوكًا مستمرًا.
ما بعد عام الماء
ربما يكون هذا هو المعنى الأوسع لعام 2027. فالمملكة قطعت شوطًا كبيرًا في تأمين المورد ورفع قدرة منظومته، والمرحلة المقبلة تفتح مجالًا أكبر للنظر إلى القيمة التي يمكن أن ينتجها الماء: في الاقتصاد والصناعة، وفي المشروعات الكبرى، وفي البحث والتقنية، وفي حماية البيئة، وفي حضور المملكة الدولي.
وحين ننظر إلى الماء بهذه الصورة، يتغير ما نقيسه أيضًا. ستظل كمية المياه المنتجة وأمن الإمداد مؤشرين أساسيين، لكن يمكن أن يضاف إليهما سؤال آخر: ما القيمة التي نحققها بالماء الذي ننتجه ونستهلكه؟ وكم نستطيع استعادته وإعادة استخدامه؟ وكم من المعرفة والصناعة والتقنية نستطيع بناءها حوله؟
وسيكون الأثر الأهم لعام 2027 إذا بقي هذا التفكير بعد انتهاء العام؛ في طريقة تصميم المدن والمشروعات، وفي قرارات الاستثمار والزراعة والصناعة، وفي حماية السواحل، وفي المختبرات والجامعات، وفي سلوك المؤسسات والأفراد.
فالماء ليس ملفًا على هامش مشروعات المستقبل. إنه موجود في حساباتها منذ البداية.