فاطمة الجباري
للصمت لحنٌ خفي، لا تسمعه الآذان، وإنما تلتقطه القلوب التي عبرت كثيرًا من طرق الألم، وعرفت أن الحياة ليست دائمًا كما تبدو، وأن وراء بعض الوجوه الهادئة حكاياتٍ لو نطقت لأبكت الحجر.
هناك صمتٌ لا يعني أن الإنسان لا يملك ما يقوله، بل يعني أن في داخله كلامًا كثيرًا، لكنه تعب من شرحه.
صمتٌ يأتي بعد محاولات طويلة للفهم، وبعد عتابٍ لم يُسمع، ووجعٍ لم يجد من يحتضنه، وخيباتٍ جعلت القلب يتردد قبل أن يمنح ثقته من جديد.
نحن لا نصمت لأننا لا نشعر، بل لأننا نشعر أكثر مما ينبغي.
كم من إنسان تراه مبتسمًا، بينما يخوض في داخله معركة لا يعرف عنها أحد شيئًا. يضحك مع الآخرين، ويشاركهم أحاديثهم، ويبدو ثابتًا كأن شيئًا لم يمسّه، ثم يعود إلى وحدته، فيخلع عن قلبه ثوب القوة، ويجلس مع نفسه متعبًا من كل شيء.
ذلك هو الصمت الذي لا يفهمه إلا من ذاق الحياة حقًا.
فالألم يغيّر الإنسان.
يجعله أقل كلامًا، وأكثر تأملًا.
يجعله لا يفسر كل شيء، ولا يبرر كل موقف، ولا يركض خلف كل من ابتعد. يتعلم أن بعض الرحيل رحمة، وأن بعض الخذلان درس، وأن بعض الأبواب التي أُغلقت في وجهه كانت تحميه من طريق لم يكن يستحق أن يمضي فيه.
ومع الأيام، يتعلم الإنسان أن ليس كل ما يؤلمه يستحق أن يحكيه، وليس كل من يسمع يستحق أن يعرف، وليس كل من يعرف قادرًا على أن يفهم.
فتصبح بعض الحكايات ملكًا للقلب وحده.
وفي أعماق الليل، حين تهدأ الأصوات، ويغادر الجميع إلى أحلامهم، يبدأ ذلك اللحن الخفي بالعزف...
تتحدث الذاكرة عن أشياء ظننا أننا نسيناها، وتعود وجوهٌ غابت، وكلماتٌ ما زالت عالقة في القلب، ومواقف مرّت عليها سنوات، لكنها لم تمرّ من داخلنا.
نبتسم أحيانًا ونحن نتذكرها، لا لأنها كانت جميلة، بل لأننا نجونا منها.
وهذه واحدة من أعظم حكايات الإنسان:
أن يتحول الألم الذي كسره يومًا إلى قوة، وأن تصبح الخيبة التي أوجعته سببًا في نضجه، وأن ينظر إلى ما مضى دون أن يتمنى عودته.
ليس النضج أن تتوقف عن الألم، وإنما أن تتعلم كيف تعبره دون أن تفقد نفسك.
ولذلك، لا تستغرب حين تجد إنسانًا قليل الحديث، هادئ الحضور، لا يدخل في جدال، ولا يشرح نفسه كثيرًا، ولا يلاحق أحدًا.
ربما لم يكن باردًا كما تظن.
ربما كان يومًا أكثر الناس كلامًا، وأكثرهم حرصًا على العلاقات، وأكثرهم قدرةً على العطاء، لكنه أعطى كثيرًا حتى أدرك أن بعض القلوب لا تعرف قيمة ما يُمنح لها.
ربما خذلته الحياة مراتٍ كثيرة، حتى أصبح الصمت بالنسبة إليه لغة أمان.
هناك أناس لا يحتاجون إلى من يسألهم:
«ماذا بك؟»
هم يحتاجون فقط إلى قلبٍ يفهم أن خلف عبارة «أنا بخير» أشياء كثيرة لم تُقل.
يحتاجون إلى يدٍ تربت على أكتافهم دون أسئلة، وإلى حضورٍ لا يطالبهم بالكلام، وإلى شخصٍ يستطيع أن يجلس بجوارهم في صمت، دون أن يشعر أن الصمت فراغ.
فأحيانًا يكون أجمل أنواع المواساة أن تبقى.
أن تقول لمن تحب دون كلام:
أنا هنا... ولن أرحل لأنك لم تستطع أن تشرح وجعك.
ولعل أجمل ما يفعله الألم في الإنسان، رغم قسوته، أنه يجعله أكثر رحمة بالآخرين.
من ذاق الانكسار، يعرف كيف يجبر خاطرًا.
ومن عرف الوحدة، يعرف قيمة الرفقة.
ومن عاش الخذلان، يصبح أكثر حرصًا ألا يكون سببًا في خذلان أحد.
ومن بكى وحده، يتعلم ألا يستهين بدمعة إنسان.
وهكذا، لا يذهب الألم دائمًا هباءً.
بعض الآلام تصنع فينا إنسانًا جديدًا؛ أكثر هدوءًا، وأعمق فهمًا، وأقل تعلقًا بالأشياء العابرة، وأكثر امتنانًا للنعم الصغيرة التي لم نكن نراها قبل أن نفقد الكثير.
حتى الصمت نفسه يصبح بعد التجربة نوعًا من الحكمة.
فليس كل معركة تستحق أن نخوضها، ولا كل كلمة تستحق أن نرد عليها، ولا كل شخص يستحق أن نشرح له سبب ابتعادنا.
أحيانًا يكون الصمت جوابًا ناضجًا، والابتعاد كرامة، والتجاوز انتصارًا لا يحتاج إلى تصفيق.
وفي النهاية...
قد لا يسمع أحد لحن صمتك، وقد لا يعرف أحد كم مرة قاومت أن تنهار، وكم مرة ابتلعت كلماتك، وكم مرة ابتسمت وأنت في أشد حالات التعب.
لكن الله يعلم.
يعلم تلك الدموع التي أخفيتها، والدعوات التي قلتها في سجودك، والليالي التي قاومت فيها الحزن وحدك، ويعلم كم مرة كنت على وشك الانطفاء ثم قلت: «يا رب».
فلا تخجل من صمتك، ولا تظن أن هدوءك ضعف.
ربما أنت فقط أصبحت تعرف أن بعض المشاعر أعمق من أن تُقال، وأن بعض الوجع أكبر من أن يُشرح، وأن بعض السلام لا يأتي إلا حين نتوقف عن محاولة إقناع الآخرين بما نشعر به.
للصمت لحن...
ولا يسمعه إلا من ذاق ألم الحياة، ثم اختار رغم كل شيء أن يبقى قلبه رحيمًا، وروحه نقية، وأمله بالله حيًا.
فما أجمل أن يمر الإنسان بكل هذا الألم...
ثم لا يصبح مؤلمًا لأحد..