د. هبة توفيق أبو عيادة
ما إن يسمع الأبوان عبارة: طفلكما مصاب باضطراب طيف التوحد، حتى يشعران وكأن الزمن قد توقف للحظة. وتتبدد الأحلام التي رسماها لطفلهما، وتتزاحم الأسئلة في أذهانهما، ويغمر القلب خوف لا يشبه أي خوف آخر ويبدأ الإنكار وخطأ التشخيص. وفي خضم تلك الصدمة يبرز سؤال موجع: هل يسرق التوحد أبناءنا منا؟
قارئنا الكريم قد يبدو هذا السؤال طبيعيًا في لحظة الانكسار، لكنه لا يعكس الحقيقة. فالتوحد لا يسرق الأطفال، ولا ينتزع محبتهم من قلوب أسرهم، ولا يلغي شخصياتهم أو إنسانيتهم. إنه اضطراب نمائي عصبي يؤثر في طريقة تواصل الطفل مع الآخرين، وفي فهمه للعالم من حوله، لكنه لا يمحو مشاعره، ولا يمنعه من بناء روابط عاطفية عميقة مع من يمنحه الحب والاحتواء.
إن كثيرًا من الآباء والأمهات لا يبكون طفلهم بعد التشخيص، بل يبكون الصورة التي رسموها له قبل أن يعرفوا حقيقة حالته. يبكون الكلمات التي تأخر نطقها، واللعب المشترك الذي كانوا يحلمون به، والحوارات التي تخيلوها معه في المستقبل. وبين الحلم والواقع تنشأ فجوة مؤلمة، فيظنون أن طفلهم قد ابتعد عنهم، بينما الحقيقة أنه ما يزال حاضرًا، لكنه يحتاج إلى طريق مختلف للوصول إليه.
إن اضطراب طيف التوحد سُمّي «طيفًا» لأنه لا يظهر بالطريقة نفسها لدى جميع الأطفال. فلكل طفل خصائصه، وقدراته، وتحدياته، ووسيلته الخاصة في التعبير عن نفسه. فهناك من يواجه صعوبة في التواصل اللفظي، وهناك من يمتلك مهارات لغوية جيدة لكنه يعاني من فهم الإشارات الاجتماعية، وهناك من يبرع في مجالات معينة كالرياضيات أو الرسم أو الحفظ، مما يؤكد أن الاختلاف لا يعني غياب الإمكانات، بل تنوعها.
غير أن ما قد يسرق أبناءنا فعلًا ليس التوحد، وإنما الجهل به. فالجهل يدفع بعض الأسر إلى إنكار التشخيص وتأجيل التدخل المبكر، فتضيع أشهر أو سنوات ثمينة كان يمكن أن تُحدث فارقًا في نمو الطفل. كما يفتح الباب أمام من يروجون لعلاجات غير مثبتة علميًا، مستغلين خوف الأسر وأملها في أي بصيص تحسن.
والأسوأ من ذلك أن الجهل يغذي الوصمة الاجتماعية، فيشعر بعض الآباء بالخجل من إعلان حالة طفلهم، ويعيشون التجربة في عزلة مؤلمة، بينما هم في أمسّ الحاجة إلى الدعم.
لقد أثبتت الدراسات العلمية أن الدعم الأسري واحتضان الطفل والتدخل المبكر، والبرامج التأهيلية المتخصصة، والعلاج السلوكي، وعلاج النطق، والتكامل الحسي، يمكن أن تُحدث تطورًا ملحوظًا في قدرات كثير من الأطفال.
فالتقدم قد يكون تدريجيًا، لكنه حقيقي، وكل مهارة جديدة يكتسبها الطفل تمثل خطوة نحو مزيد من الاستقلالية والاندماج في المجتمع. والتوحد ليس حكمًا على مستقبل الطفل، بل هو مسار مختلف يحتاج إلى فهم وصبر واستمرار.
ومن أجمل ما تعلمنا إياه هذه الفئة من الأطفال أن التواصل لا يقتصر على الكلمات. فقد تكون ابتسامة صغيرة، أو نظرة عابرة، أو إمساك الطفل بيد أمه، أو جلوسه مطمئنًا بجانب والده، رسائل حب لا تقل قيمة عن أجمل العبارات. إنهم يعلموننا أن الحب لا يُقاس بعدد الكلمات المنطوقة، وإنما بعمق المشاعر التي تصل بطرق مختلفة.
كما أن نجاح هؤلاء الأطفال لا ينبغي أن يُقاس بمقاييس الآخرين. فما يبدو أمرًا بسيطًا لطفل آخر، قد يكون إنجازًا عظيمًا لطفل من ذوي اضطراب طيف التوحد. فكلمة ينطق بها بعد أشهر من التدريب، أو استجابة لاسمه بعد محاولات متكررة، أو مشاركة زميله لعبة لبضع دقائق، قد تكون لحظات تستحق الاحتفال بكل فخر. ولهذا فإن مقارنة الأطفال ببعضهم لا تحقق إلا الإحباط، بينما المطلوب هو مقارنة الطفل بنفسه، ورؤية مقدار التقدم الذي يحققه مع مرور الوقت.
يقع على عاتق المجتمع مسؤولية كبيرة في تغيير نظرته إلى التوحد. فالمدرسة مطالبة بتوفير بيئات تعليمية دامجة تراعي الفروق الفردية، والمؤسسات مطالبة بتعزيز برامج التأهيل والدعم، ووسائل الإعلام مطالبة بنشر الوعي الصحيح بعيدًا عن التهويل أو الشفقة. كما أن الأسرة الممتدة والجيران والأصدقاء يستطيعون أن يكونوا مصدر قوة حين يتعاملون مع الطفل باحترام وتقبل، لا بنظرات الاستغراب أو الأحكام المسبقة.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: هل يسرق التوحد أبناءنا منا؟ بل: هل بذلنا ما يكفي لنفهمهم؟ وهل وفرنا لهم الفرص التي يستحقونها؟ وهل تعلمنا لغتهم قبل أن نحكم على صمتهم؟ فالأطفال لا يحتاجون إلى من يغير طبيعتهم بقدر حاجتهم إلى من يؤمن بقدراتهم، ويمنحهم الوقت والمساحة لينموا وفق إمكاناتهم.
في الختام، لا يسرق التوحد أبناءنا، وإنما يدعونا إلى إعادة اكتشاف معنى الأبوة والأمومة، وإلى تعلم لغة جديدة قوامها الصبر، والقبول، والإيمان بأن لكل طفل طريقته الخاصة في الوصول إلى العالم. وعندما ننظر إليهم بعين الفهم بدل عين الشفقة، وبعين الأمل بدل عين الخوف، سنكتشف أن أبناءنا لم يغيبوا عنا يومًا، بل كانوا ينتظرون فقط أن نقترب منهم بالطريقة الصحيحة.
فالتوحد ليس نهاية الحكاية، بل بداية رحلة مختلفة، قد تكون أكثر تحديًا، لكنها أيضًا أكثر عمقًا، وأكثر قدرة على أن تعلمنا معنى الحب غير المشروط، والإيمان بالإنسان كما هو، لا كما نريده أن يكون.