منصور بن صالح العُمري
في الثلثِ الأخيرِ من الليل، حين تسكنُ الأصوات، وتغفو العيون، ويخلو كثيرٌ من الخلق إلى مضاجعهم، ينزلُ ربُّنا تبارك وتعالى نزولًا يليقُ بجلاله، فيفتحُ لعباده بابًا من الرحمة لا يُغلق حتى يطلع الفجر.
قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ). متفق عليه.
وما أعظمها من لحظة... أن ترفع يديك إلى السماء، وقد ضاقت بك السبل، وأثقلتك الذنوب، وخذلتك الأسباب، فلا تجد جوابًا أصدق، ولا كلمةً أبلغ، من أن تردد بقلبٍ منكسر:
أنا يا رب... أنا يا رب... أنا يا رب...
أنا السائلُ الذي أنهكه الفقرُ إليك، وأنا المستغفرُ الذي أثقلته ذنوبُه، وأنا التائب الذي لم يجد بابًا أوسع من بابك، ولا ربًّا أرحمَ من ربِّه.
فإن كنتَ لا تسمعُ نداءَه سبحانه، فهو يسمعُ نجواك، ويعلمُ حاجتك قبل سؤالك، ويرى دمعتك قبل أن تنحدر، ويعلمُ انكسارَ قلبك قبل أن يترجمه لسانك.
فطوبى لعبدٍ وافق هذا النداء، فقام من فراشه، وترك لذَّة نومه، ليقول لربِّه: أنا يا رب... فما وقف عبدٌ بباب الكريم صادقًا إلا فُتح له، ولا رفع كفَّيه إلى الرحيم منكسرًا إلا عاد وقد امتلأ قلبُه يقينًا، فإن تأخر العطاء، فما تأخر الكرم، وإن تأجلت الإجابة، فما تأجلت الرحمة؛ لأن أعظمَ ما يُكرَم به العبد... أن يأذن الله له أن يقف بين يديه، وهو ينادي: من يدعوني؟ فيجيب بكل ما في قلبه من افتقار:
أنا يا رب... أنا يا رب... أنا يا رب.