د. محمد بن أحمد غروي
كنت في زيارة لمدينة ملاكا التاريخية لحضور المؤتمر الدولي للسلام بين الأديان تحت شعار «ملاكا وماليزيا: ملتقى الأديان والثقافات والتنوع والوئام نحو بناء أمة متماسكة» الذي يركز على إبراز ولاية ملاكا وماليزيا كملتقى للإيمان والوئام، بهدف بناء مجتمع متماسك. كما يهدف المؤتمر إلى توفير منصة دولية لتبادل الخبرات في مجال تعزيز السلام والتعايش، واستكشاف دور القيم المشتركة في بناء جسور التفاهم بين أتباع مختلف الأديان والثقافات، وتقديم توصيات تدعم بناء مجتمعات متماسكة.
تاريخيًا، لعبت ملاكا دورًا رئيسيًا في نشر الإسلام في جنوب شرق آسيا، وأصبحت اللغة الملاوية لغةً مشتركةً في المنطقة. وتعتبر سلطنة ملاكا أول دولة مسلمة في شبه جزيرة الملايو، والتي تأسست عام 1400. فقد اكتسبت ثقلها ومكانتها السياسية والثقافية من إرثها الثقافي والديني، بوصفها بوابة نور الإسلام في الأرخبيل، وتشكلت الثقافة الملاوية الإسلامية نموذج شاهد على الحضارة والتعايش بين الأديان هناك. فقد تميزت المدينة خلال القرون الخمس الماضية بأنها ولا زالت غنية بمختلف الحضارات والثقافات، حيث يشكل المسلمون حوالي 69 % من السكان، والبوذيون 19 % والهندوس 5 % والمسيحيون 3 %، ويعيشون جنبًا إلى جنب في سلام.
قدمت ماليزيا الحديثة نموذجًا متميزًا للتعايش الديني والسعي على توطيد المشتركات بين مكونات المجتمع الماليزي، فأنشأت وزارة خاصة للوحدة الوطنية، تعمل على تعزيز الوحدة بين مختلف أعراق المجتمع ودعم التماسك بين مختلف أطيافه، وهي من بين دول قلائل لديها وزارة خاصة للوحدة الوطنية، ووضعت سياسات جديدة للوحدة الوطنية تعزز وحدة الأمة.
وفر المؤتمر الدولي للسلام بين الأديان منصة مهمة للقادة الدينيين وصناع السياسات وممثلي المجتمع المدني من مختلف أنحاء العالم لتبادل الأفكار وتعزيز التعاون في سبيل تحقيق السلام والوئام الاجتماعي، وهو النهج الذي تسعى ماليزيا ليشمل جميع مدن البلاد، كما تدعمه خلال خطط وفعاليات هامة ترسخ مبدأ التعايش السلمي بين أصحاب الديانات المختلفة وطنيًا وعلى الصعيد الدولي.
تدرك ماليزيا أن التنوع لا ينبغي أن ينظر إليه كمصدر للفرقة، بل كقوة يمكن تسخيرها من خلال الاحترام المتبادل والانفتاح والتعاون، بما يحقق بناء تفاهم متبادل بين أتباع الأديان مع احترام الاختلافات.
يمثل ذلك امتدادًا لنهج ماليزيا الداعم للحوار بين الأديان ومواجهة التطرف، إذ استضافت العاصمة كوالالمبور ثلاث نسخ للمؤتمر الدولي للقيادات الدينية بحضور رئيس الوزراء الماليزي، وتحت رعاية رابطة العالم الإسلامي، وبحضور آلاف الشخصيات الدينية من عشرات الدول، تعزيزًا للوئام بين أتباع الأديان في العالم، وحل مشكلات التعايش ومواجهة أفكار التطرف والصدام الحضاري وما ينتج عنها من كراهية ضد دين معين وتصحيح المفاهيم عن الإسلام.
أثبتت ماليزيا أن الاختلاف تنوع لا تضاد، كما ومثلت منصاتها العالمية أفضل الممارسات لمكافحة الإسلاموفوبيا وأسهمت بشكل مباشر في الحوار بين الأديان و تبديد المفاهيم الخاطئة، والحد من التعصب، وتعزيز الاحترام المتبادل بين أتباع مختلف الأديان، بما يمكن من بناء جسور للتواصل بين المجتمعات وازدهار الإنسان وكرامته في عالم اليوم الذي يتسم بالاضطراب والصراعات، ولعب التعاون مع المنظمات الدولية دوره في بلورة مشاريع عملية لسلام وقائي يخدم الجيل القادم من الحروب التي أوقدها اختلاف الدين والعرق.