صبحي شبانة
ليست كل الاتفاقات السياسية قادرة على تغيير مسار التاريخ، كما أن كل وقف لإطلاق النار لا يعني بالضرورة أن السلام قد أصبح حقيقة، فالمنطقة العربية عاشت خلال العقود الماضية عشرات الاتفاقات التي نجحت في إسكات صوت السلاح مؤقتًا، لكنها عجزت عن إزالة الأسباب الحقيقية للصراع، فعادت الحروب بصورة أكثر قسوة، ودفع المدنيون الثمن الأكبر من أمنهم واستقرارهم ومستقبل أجيالهم، من هنا يمكن قراءة الترحيب الذي أبدته المملكة العربية السعودية بالاتفاق التاريخي المتعلق بنزع السلاح في قطاع غزة، ليس بوصفه موقفًا دبلوماسيًا عابرًا، وإنما باعتباره تعبيرًا عن رؤية سياسية متكاملة ترى أن الأمن لا يتحقق بمجرد إنهاء المواجهات العسكرية، بل يبدأ عندما يصبح الاتفاق بوابة لمسار سياسي شامل ينتهي بتنفيذ كامل لخطة السلام، ويكفل للشعب الفلسطيني حقه المشروع في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
هذا الموقف يعكس ثبات السياسة السعودية تجاه القضية الفلسطينية، وهي السياسة التي لم تتبدل رغم تعاقب الإدارات الدولية، وتغير موازين القوى، وتعقّد الأزمات الإقليمية، فمنذ مبادرة السلام العربية عام 2002، التي أصبحت المرجعية الأهم لأي حديث جاد عن تسوية عادلة، والمملكة تؤكد أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على حلول مؤقتة أو ترتيبات أمنية منفصلة عن الحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني، واليوم وبعد سنوات من الحروب المتكررة في غزة، وما خلّفته من دمار إنساني هائل، تبدو المنطقة أمام فرصة جديدة تستحق البناء عليها، لا باعتبارها نهاية للصراع، وإنما بداية لمسار مختلف يعالج جذوره، ويمنح شعوب المنطقة فرصة للخروج من دوامة العنف التي استنزفت الجميع.
إن الترحيب السعودي بالاتفاق لم يكن احتفاءً بإجراء أمني فحسب، بل كان تأكيدًا على أن نزع السلاح يجب أن يكون جزءًا من مشروع أكبر، عنوانه بناء الدولة، واستعادة المؤسسات، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه الوطنية وفق قرارات الشرعية الدولية، فالسلام الذي لا ينتهي بقيام دولة فلسطينية مستقلة سيظل سلامًا هشًا، معرضًا للانهيار مع أول أزمة جديدة.
ولعل أهم ما يميز السياسة السعودية في هذه المرحلة أنها تجاوزت مفهوم «إدارة الأزمات» إلى مفهوم «صناعة الحلول»، فبدل الاكتفاء باحتواء التوترات أو التعايش معها، باتت المملكة تدفع باتجاه معالجات جذرية تعيد تشكيل البيئة السياسية بما يحقق الاستقرار على المدى البعيد، هذه المقاربة لم تأتِ من فراغ، وإنما هي امتداد لتحول كبير شهدته السياسة الخارجية السعودية خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت الرياض لاعبًا رئيسيًا في هندسة التفاهمات الإقليمية، مستفيدة من ثقلها السياسي، ومكانتها الاقتصادية، وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، ولذلك لم يكن مستغربًا أن يثمن مجلس الوزراء السعودي الجهود التي بذلتها كل من مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب مجلس السلام، للوصول إلى هذا الاتفاق، فالمملكة تنظر إلى نجاح أي تسوية باعتباره ثمرة لتكامل الأدوار، لا لتنافس المبادرات، وإلى التعاون الدولي باعتباره الوسيلة الأكثر فاعلية لإنهاء النزاعات المعقدة.
لقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن الحروب في الشرق الأوسط لم تعد شأناً محليًا، بل أصبحت أزمات تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، وتنعكس آثارها على الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وحركة التجارة، والأمن البحري، والاستقرار الدولي، ومن ثم فإن أي اتفاق ناجح يحتاج إلى شبكة واسعة من الضمانات السياسية والدبلوماسية، وهو ما تدركه المملكة جيدًا في تحركاتها، وفي الوقت ذاته تدرك الرياض أن السلام لا يكتمل بمجرد توقيع الاتفاقات، لأن الشعوب المنهكة بالحروب تحتاج إلى إعادة إعمار، وإلى خدمات صحية وتعليمية، وإلى اقتصاد قادر على توفير فرص العمل، وإلى مؤسسات تستعيد ثقة المواطنين، لذلك فإن الرؤية السعودية تربط دائمًا بين التسوية السياسية والتنمية الاقتصادية والعمل الإنساني، باعتبارها عناصر متكاملة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر، وهنا تبرز خصوصية النموذج السعودي الذي لا يفصل بين السياسة والأبعاد الإنسانية، فالمملكة لا ترى أن مسؤوليتها تنتهي عند دعم جهود الوساطة أو تأييد الاتفاقات، بل تعتبر أن نجاح السلام يقاس أيضًا بقدرته على تحسين حياة الناس، وتخفيف معاناتهم، وإعادة الأمل إلى المجتمعات التي أنهكتها الصراعات.
ومن هذا المنطلق، جاء تأكيد مجلس الوزراء على مواصلة دعم المملكة لجهودها الإنسانية والإغاثية، والإعلان عن تنظيم الدورة الخامسة لمنتدى الرياض الدولي الإنساني في شهر أبريل المقبل، باعتباره امتدادًا طبيعيًا للدور السياسي الذي تضطلع به المملكة في المنطقة والعالم، وليس من المبالغة القول: إن هذا الربط بين السلام والعمل الإنساني يمثل اليوم إحدى السمات الأبرز في السياسة السعودية الحديثة، فبينما تنشغل دول كثيرة بإدارة الملفات الأمنية، تعمل المملكة على بناء منظومة متكاملة تجعل من الإنسان محورًا لكل السياسات، ومن التنمية الضمان الحقيقي لاستدامة السلام.
لقد أصبحت الرياض خلال السنوات الأخيرة عاصمة للحوار كما أصبحت عاصمة للمبادرات الإنسانية، وهو تحول يعكس رؤية إستراتيجية ترى أن النفوذ الحقيقي لا يقاس فقط بحجم القوة الاقتصادية أو العسكرية، وإنما أيضًا بالقدرة على بناء الجسور، وإطفاء الحرائق، وجمع الأطراف المتباعدة حول طاولة واحدة، وهذا ما يمنح الموقف السعودي من الاتفاق المتعلق بغزة بعدًا يتجاوز حدود القضية الفلسطينية نفسها، ليصبح جزءًا من رؤية أوسع لإعادة تشكيل بيئة الشرق الأوسط على أسس جديدة، يكون فيها السلام خيارًا إستراتيجيًا، والتنمية هدفًا مشتركًا، والعمل الإنساني ركيزة لا تقل أهمية عن الدبلوماسية والسياسة.
ويأتي منتدى الرياض الدولي الإنساني ليجسد هذه الرؤية على أرض الواقع، إذ لم يعد مجرد مؤتمر دوري يجمع المختصين في العمل الإنساني، بل تحول إلى منصة دولية لصياغة الأفكار، وتطوير السياسات، وبناء الشراكات التي تجعل من الاستجابة الإنسانية أكثر سرعة وكفاءة واستدامة، ومنذ انطلاق دوراته الأولى، نجح المنتدى في ترسيخ مكانته بوصفه أحد أهم الملتقيات العالمية التي تجمع الحكومات، والمنظمات الأممية، والمؤسسات الإنسانية، والقطاع الخاص، والخبراء، بهدف تطوير أدوات العمل الإغاثي ومواجهة التحديات المتزايدة التي يشهدها العالم.
ويكتسب انعقاد الدورة الخامسة للمنتدى في أبريل المقبل أهمية مضاعفة، في ظل عالم يشهد أرقامًا غير مسبوقة من النازحين واللاجئين والمتضررين من النزاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية، ولم تعد التحديات الإنسانية تقتصر على توفير الغذاء والدواء والمأوى، بل امتدت إلى قضايا أكثر تعقيدًا، مثل الأمن الغذائي، والأوبئة، والتغير المناخي، وحماية الأطفال، وإعادة بناء المجتمعات، وتأهيل البنية التحتية، وهو ما يستلزم تعاونًا دوليًا واسعًا يتجاوز حدود الإغاثة التقليدية.
لقد أدركت المملكة مبكرًا أن العمل الإنساني لم يعد نشاطًا موسميًا أو استجابة طارئة، وإنما أصبح جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن والاستقرار العالميين، فالمجتمعات التي تُترك فريسة للفقر والجوع والدمار تصبح أكثر عرضة للتطرف، والهجرة غير النظامية، والانهيار الاقتصادي، بما ينعكس سلبًا على الأمن الإقليمي والدولي، ومن هنا جاءت المقاربة السعودية التي تربط بين الإغاثة والتنمية، وبين المساعدات العاجلة وبناء القدرة على التعافي، بما يحقق أثرًا مستدامًا يتجاوز معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب، ولذلك لم يكن مستغربًا أن تصبح المملكة، عبر مؤسساتها الإنسانية وفي مقدمتها مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، من أكبر الداعمين للبرامج الإنسانية في عشرات الدول، حيث امتدت جهودها إلى مناطق النزاعات والكوارث في آسيا وإفريقيا وأوروبا، دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو الانتماء السياسي، في تجسيد عملي للقيم الإنسانية التي قامت عليها الدولة السعودية.
إن هذا الحضور الإنساني العالمي لم يعد منفصلًا عن الحضور السياسي للمملكة، بل أصبح مكملًا له، فحين تدعو الرياض إلى السلام، فإنها تمتلك في الوقت نفسه القدرة على الإسهام في إعادة بناء ما دمرته الحروب، وعندما ترعى مبادرات الحوار، فإنها تدعمها أيضًا بمبادرات إنسانية وتنموية تمنح تلك الاتفاقات فرصة أكبر للنجاح والاستمرار، وهنا تتجلى فلسفة السياسة السعودية في صورتها الأوضح، إذ لم تعد تنظر إلى القوة بمفهومها التقليدي القائم على النفوذ السياسي أو الاقتصادي وحده، بل باتت توظف ما يعرف في العلاقات الدولية بـ»القوة الشاملة»، التي تجمع بين التأثير الدبلوماسي، والقدرة الاقتصادية، والعمل الإنساني، والشراكات الدولية، لتصبح المملكة طرفًا فاعلًا في تشكيل البيئة الدولية، لا مجرد متأثر بها.
ولعل ما يميز هذه المقاربة أيضًا أنها تنطلق من رؤية المملكة 2030، التي لم تقتصر على إعادة بناء الاقتصاد الوطني، وإنما قدمت نموذجًا جديدًا لدور المملكة في العالم، فالرؤية جعلت من الانفتاح، والشراكة، والاستثمار في الإنسان، وتعزيز المسؤولية الدولية، ركائز أساسية للسياسة السعودية، وهو ما انعكس بوضوح في الحضور المتنامي للمملكة في ملفات الوساطة، والتنمية، والطاقة، والعمل المناخي، والعمل الإنساني، ولذلك فإن الترحيب السعودي بالاتفاق التاريخي المتعلق بنزع السلاح في قطاع غزة، لا يمكن فصله عن هذا السياق الأشمل، فهو يعبر عن قناعة راسخة بأن استقرار المنطقة لن يتحقق إلا عبر حلول سياسية عادلة، وأن الأمن الحقيقي يبدأ من احترام حقوق الشعوب، وإعادة الاعتبار للقانون الدولي، وإنهاء دوائر العنف التي استنزفت المنطقة لعقود طويلة، كما أن تثمين المملكة للجهود التي بذلتها مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية ومجلس السلام، يؤكد أن الرياض تؤمن بأن السلام لا تصنعه دولة بمفردها، بل هو ثمرة تعاون دولي صادق، تتكامل فيه الأدوار وتتلاقى فيه الإرادات من أجل تحقيق مصلحة الشعوب، بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو المكاسب المؤقتة.
لقد أثبتت المملكة خلال السنوات الأخيرة أنها لا تتحرك بمنطق ردود الأفعال، وإنما وفق رؤية إستراتيجية بعيدة المدى، توازن بين الثوابت الوطنية والمتغيرات الدولية، وتجمع بين الواقعية السياسية والالتزام الأخلاقي، ولهذا اكتسبت ثقة المجتمع الدولي، وأصبحت وجهة لكثير من المبادرات والحوارات التي تبحث عن حلول للأزمات الإقليمية والدولية، وإذا كان العالم يعيش اليوم مرحلة إعادة تشكيل للنظام الدولي، فإن المملكة تبدو من أكثر الدول قدرة على التكيف مع هذه التحولات، بل والمشاركة في صياغتها، بفضل ما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي، ومكانة دينية، ورؤية تنموية طموحة، وشبكة واسعة من العلاقات المتوازنة مع مختلف القوى الدولية، ومن هنا فإن الرسالة التي يحملها الموقف السعودي الأخير تتجاوز حدود غزة، لتؤكد أن المملكة تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره منطقة تستحق مستقبلًا مختلفًا؛ مستقبلًا تُستبدل فيه لغة الصراع بلغة التنمية، ومنطق المواجهة بمنطق الشراكة، وسياسة المحاور بسياسة التوافق، ليصبح السلام مشروعًا دائمًا لا هدنة مؤقتة.
إن المملكة العربية السعودية، وهي ترحب بهذا الاتفاق التاريخي، وتستعد في الوقت ذاته لاستضافة الدورة الخامسة لمنتدى الرياض الدولي الإنساني، تقدم نموذجًا متكاملًا لدولة تجمع بين قوة القرار السياسي، وعمق الرؤية الإستراتيجية، وريادة العمل الإنساني، وهي رسالة تؤكد أن السلام لا يُصنع على موائد التفاوض وحدها، بل يحتاج إلى إرادة سياسية، وتنمية اقتصادية، وعدالة تحفظ الحقوق، وعمل إنساني يصون كرامة الإنسان.
وفي زمن تتشابك فيه الأزمات وتتسارع فيه التحولات، تبدو المملكة أكثر إيمانًا بأن الاستثمار الحقيقي ليس في إدارة الحروب، بل في صناعة السلام، وليس في مراكمة أسباب الصراع، بل في بناء جسور الثقة بين الشعوب والدول، ولهذا فإن الرياض لا تكتفي اليوم بأن تكون عاصمة للقرار العربي، بل تمضي بثقة لتكون إحدى العواصم العالمية التي يُصاغ فيها مستقبل أكثر أمنًا، وأكثر استقرارًا، وأكثر إنسانية.