د.شامان حامد
يقف العالم اليوم عند لحظة مفصلية تشبه الانعطافات التاريخية الكبرى، حيث يعيد التنافس الإستراتيجي بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية صياغة هيكل النظام الدولي. إن هذا الصراع يتجاوز التدافع التقليدي على النفوذ الجيوسياسي، ليصبح تنافساً شاملاً على النموذج المحرك للحضارة والتكنولوجيا والاقتصاد في القرن الحادي والعشرين.
تحول المسار الإستراتيجي بين واشنطن وبكين من عقود الاحتواء والانخراط الاقتصادي إلى مواجهة صريحة. فبعد أن ساد الرهان الغربي على أن دمج الصين في المنظومة الرأسمالية العالمية يدفعها لتطبيق القواعد الغربية، وظفت بكين أدوات الانفتاح لتعزيز نموذجها الخاص، مستحوذة على ثقل تصنيعي وتنموي هائل. واليوم، يتجلى التنافس في أربعة محاور رئيسة: سباق تقني محموم للسيطرة على سلاسل أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، وإعادة تشكيل سلاسل التوريد عبر إستراتيجية «تقليل المخاطر»، وتدافع لمحاكاة التأثير في التكتلات الدولية، وبناء شراكات جديدة في المناطق الحيوية كالشرق الأوسط.
تختلف فلسفة القوة لدى الطرفين بوضوح؛ إذ تصر واشنطن على حماية النظام الليبرالي العالمي الممتد منذ منتصف القرن الماضي، وتدعيم التحالفات العسكرية المباشرة، معتمدة على القوة المالية للدولار والجاذبية الثقافية. وفي المقابل، تسعى بكين إلى فرض واقع متعدد الأقطاب عبر رأسمالية الدولة، والشراكات المرنة، وتوسيع تكتلات بديلة مثل «بريكس» ومنظمة شانغهاي، متسلحة باستثمارات البنية التحتية العابرة للحدود ومبدأ احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
مستقبلياً، يرجح التحليل الإستراتيجي سيناريو «التنافس المدار» الذي يفرض أطراً ضابطة منعاً للانزلاق إلى مواجهة عسكرية كبرى، مقابل سيناريوهات أشد خطورة مثل «الانقسام التكنولوجي والمالي التام» أو «التصعيد غير المحسوب» جراء أي سوء تقدير في بؤر التماس الساخنة حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي.
تفرض هذه الديناميكية على القوى الإقليمية والدول المتوسطة ممارسة «التحوط الإستراتيجي» وتنويع الشراكات لتفادي ضغوط الاستقطاب الحاد. إن حجم الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين واشنطن وبكين يجعل مفهوم «الفصل الكلي» مجرد وهم نظري يصطدم بالواقع العملي للأسواق العالمية. إن القرن الحادي والعشرين لن يكون قرناً أمريكياً خالصاً ولا صينياً بحتاً، بل سيكون قرناً متعدداً وسيّالاً، تتحدد معالمه بمدى قدرة العمالقة على إدارة التباينات وإرساء قواعد تعايش تضمن الاستقرار العالمي وتدرأ مخاطر التدمير الذاتي.