د. خالد بن سالم الحربي
في لقاء مع قائد إحدى المؤسسات، أخذ يروي قصّة نجاحه، مستعرضًا رؤيته وحنكته في اتخاذ القرارات، بينما التزم مسؤولوه التنفيذيون الصمت، والابتسامات الباهتة على وجوههم. بعد أيام، وقع خطأ إداري، فإذا بهذا القائد يرفع مذكرة، يحيل فيها المسؤولية إلى موظفيه المباشرين، وكأنه لم يكن على علم بشيء، وكأن القيادة عنده ليست أكثر من منصة لالتقاط الأضواء، لا مسؤولية مشتركة.
هذا السلوك للأسف يدمي ثقافة العمل في بعض مؤسساتنا، حيث يرى بعض القادة في النجاح مرآته الشخصية، وفي الخطأ نافذة يطل منها على غيره. يتلقى المديح عن الإنجاز وكأنه صنعه بيديه، فإذا جاء الخطأ تحول إلى سيف مسلول نحو الموظف المسكين الذي لا حول له ولا قوة.
الحقيقة التي لا بد أن أتوقف عندها هي أن الولاء في العمل ذو مسارين، فكما تتوقع من فريقك أن يقف خلفك في الأوقات الصعبة، يجب أن تكون له الدرع الذي لا ينكسر، فالقائد الحقيقي لا يقول «أنا نجحت» بل يقول «نحن نجحنا» وإذا حدث الخطأ، قال: لا داعي للقلق أنا المسؤول.
ما أشد وقع الخيانة عندما يكتشف الموظفون أن قائدهم يختار الاحتفاظ بأضواء النجاح لنفسه، بينما يوزع ظلال الفشل على الآخرين. إن مثل هؤلاء القادة لا يبني مؤسسات، بل يبني صوامع من الخوف.
يبدأ الموظفون بالتفكير مراراً قبل اتخاذ أي قرار، لا لأنهم يخشون الخطأ، بل لأنهم يخشون من سيدفع الثمن وحده عندما يحدث الخطأ. وبعد حين، يتوقفون عن الإبداع، وعن المبادرة، ويتحول العمل إلى ثقافة «لا تفعل شيئاً كي لا تخطئ»، وتصبح المؤسسة مجرد آلة، يدفع ثمن تعطلها الجميع، وفي مقدمتهم القائد الذي ظن أنه يحمي نفسه بالتنصل.
أذكر رئيساً سابقاً، حين كنت في بداية مشواري المهني، قال لي يوماً: «إذا أردت أن تكون قائدًا، فتعلم أن تكون سنداً لمرؤوسيك لا سوطاً عليهم، فالموظفون لا ينسون أبداً من وقف إلى جانبهم في الأزمات، كما لا ينسون أبداً من تخلّى عنهم وهم أحوج ما يكونون إلى دعمه.»
هذه الكلمات ظلت معي كالوصية. فالموظف الذي يخطئ تحت قيادتك هو في النهاية مسؤوليتك. أنت من وضعته في المكان، أنت من دربته، أنت من لم تضع الضوابط الكافية، أنت من لم تسأل قبل فوات الأوان. فكيف تتركه يواجه العاصفة وحده، بينما تتربع أنت على منصة التكريم إذا ما هدأت العاصفة؟
وهنا نصيحة لكل من يكلف بمنصب قيادي: إن لم تمتلك الشجاعة أن تكون درعاً لفريقك حال الخطأ، فليس من حقك أن تكون راية لهم حال النجاح، فالقيادة عطاء قبل أن تكون منصباً. أما أن تنتظر ولاء فريقك دون أن تبادلهم الولاء، وأن تطلب منهم التضحية دون أن تضحي من أجلهم، فهذه ليست قيادة، وإنما استغلال مقنع بثوب إداري.
ولاء الموظفين لا يُشترى ببيان صحفي، ولا برتبة وظيفية، وإنما يُبنى يوماً بعد يوم، حين يجدونك معهم، ويرون أنك تتحمل تبعات القرارات الصعبة ولا تتركهم فريسة للوم. الولاء يبنى على الثقة التي تبدأ من لحظة أن يختار القائد ألا يكون جباناً.