د. بندر خلف الحارثي
منذ عقود طويلة، اعتمدت الجامعات في مختلف أنحاء العالم على فلسفة تعليمية تقوم على سؤال واحد: في أي تخصص سيُقبل الطالب؟ فأصبحت رحلة الطالب الجامعية تبدأ وتنتهي تقريبًا عند اختيار التخصص، وكأن القبول الجامعي هو الغاية الكبرى، بينما بقي السؤال الأهم مؤجلًا إلى ما بعد التخرج: إلى أي مهنة سيتجه هذا الخريج؟
واليوم، وفي ظل التحولات الاقتصادية والتقنية المتسارعة، لم يعد هذا النموذج التقليدي قادرًا على تلبية احتياجات المستقبل. فالأسواق لم تعد تبحث عن حامل شهادة بقدر ما تبحث عن شخص يمتلك كفاءة مهنية، ومهارات عملية، وقدرة على التعلم المستمر والتكيف مع الوظائف الجديدة التي تتغير بوتيرة غير مسبوقة.
وهنا يبرز سؤال جوهري ينبغي أن يكون على طاولة صناع القرار في التعليم العالي: هل آن الأوان لأن تنتقل الجامعات من مفهوم “القبول في التخصص” إلى مفهوم “الإعداد للمهنة”؟
إن الإجابة، في تقديري، لم تعد مجرد خيار تطويري، بل أصبحت ضرورة استراتيجية.
لقد كان نجاح الجامعات في الماضي يُقاس بعدد المقبولين، ثم بعدد الخريجين، وربما بنسبة الحاصلين على درجات علمية متقدمة. أما اليوم فإن المعيار الحقيقي لنجاح الجامعة أصبح مختلفًا تمامًا؛ فهو يقاس بقدرتها على إعداد خريج يجد مكانه في سوق العمل، ويضيف قيمة للاقتصاد، ويواكب التحولات المتسارعة في مختلف القطاعات.
إن العالم يعيش اليوم ثورة صناعية جديدة تقودها تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأتمتة، والاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة، والتقنيات الحيوية. وهذه التحولات لم تُنشئ وظائف جديدة فحسب، بل ألغت وظائف كانت مستقرة لعقود، وغيرت المهارات المطلوبة داخل المهنة الواحدة.
ولذلك، فإن الطالب الذي يلتحق اليوم بالجامعة قد يتخرج بعد أربع أو خمس سنوات ليجد أن جزءًا كبيرًا من المهارات التي تعلمها أصبح أقل أهمية، بينما ظهرت مهارات جديدة لم تكن موجودة عند دخوله الجامعة. ومن هنا تتغير فلسفة التعليم نفسها.
فالجامعة لم تعد مسؤولة عن تدريس التخصص فقط، وإنما أصبحت مسؤولة عن بناء الإنسان المهني القادر على الاستمرار في التعلم طوال حياته. وهذا التحول يتطلب إعادة تعريف مفهوم القبول الجامعي.فبدلًا من أن تسأل الجامعة: “في أي قسم سنضع هذا الطالب؟” ينبغي أن يصبح السؤال: “ما المهنة التي سنعده لها؟”. قد يبدو الفرق لغويًا، لكنه في الحقيقة فرق جوهري في الفكر والإدارة والتخطيط.
فالقبول في التخصص يعني التركيز على الخطة الدراسية، وعدد الساعات، والمقررات، والاختبارات.
أما الإعداد للمهنة فيعني التركيز على مستقبل الطالب، والمهارات المطلوبة، والشهادات الاحترافية، والتدريب العملي، والتجارب الميدانية، وبناء الشخصية المهنية، والقدرة على حل المشكلات، والعمل الجماعي، والقيادة، والاتصال، والابتكار.
وبعبارة أخرى، فإن الجامعة لا تمنح الطالب معلومات فقط، بل تمنحه قابلية حقيقية للنجاح في حياته المهنية.
ولعل من أكبر التحديات التي تواجه كثيرًا من الجامعات أن الطالب يختار تخصصه في عمر مبكر، بينما لا يعرف على وجه الدقة طبيعة المهن المرتبطة به.
فكم من طالب التحق بتخصص أحبه، ثم اكتشف بعد التخرج أن الفرص الوظيفية محدودة، أو أن طبيعة العمل لا تناسب ميوله، أو أن السوق أصبح يحتاج إلى مهارات لم يتعلمها خلال سنوات الدراسة.
ولو أن الجامعات بدأت رحلة الطالب بالتعريف بالمهن بدلًا من الاكتفاء بالتعريف بالتخصصات، لتغيرت كثير من القرارات، ولأصبحت اختيارات الطلاب أكثر وعيًا، وأكثر انسجامًا مع احتياجات المستقبل.
ولهذا فإن الجامعات الرائدة عالميًا بدأت تتحول تدريجيًا إلى نموذج يقوم على المسارات المهنية أكثر من الأقسام الأكاديمية التقليدية.
فبدلًا من الفصل الصارم بين التخصصات، أصبح الطالب يدرس برامج مرنة تجمع بين أكثر من مجال، فيتعلم الإدارة مع تحليل البيانات، أو الهندسة مع الذكاء الاصطناعي، أو التسويق مع علوم السلوك الرقمي، أو الصحة مع التقنية.
إن المهنة الحديثة لم تعد تعترف بالحدود التقليدية بين التخصصات، ولذلك ينبغي أن تكون الجامعة أكثر مرونة من سوق العمل نفسه.
وفي المملكة العربية السعودية، تبدو هذه الفلسفة أكثر أهمية من أي وقت مضى. فرؤية المملكة 2030 لم تجعل التعليم هدفًا مستقلًا، وإنما جعلته أحد أهم محركات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ولذلك أصبح المطلوب من الجامعات أن تكون شريكًا مباشرًا في بناء رأس المال البشري، وفي رفع التنافسية الوطنية، وفي دعم القطاعات الجديدة التي يقودها الاقتصاد السعودي.
وهذا يعني أن مسؤولية الجامعة لا تنتهي عند تخريج الطالب، بل تمتد إلى ضمان جاهزيته للمنافسة في سوق عمل عالمي يعتمد على المعرفة والإبداع والابتكار.إن التحول إلى مفهوم “الإعداد للمهنة” يفرض على الجامعات مراجعة العديد من ممارساتها الحالية.
فالمناهج ينبغي أن تُبنى بالشراكة مع أصحاب الأعمال، لا داخل القاعات الأكاديمية فقط. والتدريب التعاوني يجب أن يتحول من متطلب دراسي إلى تجربة مهنية حقيقية. كما ينبغي أن تصبح الشهادات المهنية العالمية جزءًا من الخطة الدراسية، لا خيارًا إضافيًا بعد التخرج.
ولا يكفي أيضًا أن يدرس الطالب مقررات في تخصصه، بل يجب أن يكتسب مهارات المستقبل؛ مثل التفكير النقدي، والذكاء الرقمي، وتحليل البيانات، وريادة الأعمال، وإدارة المشاريع، والقدرة على التعلم الذاتي، والمرونة في التعامل مع التغيير. فالوظيفة الأولى قد تتغير، لكن هذه المهارات سترافقه طوال حياته المهنية.
كما أن الجامعات مطالبة بإعادة النظر في مؤشرات نجاحها. فعدد الخريجين لم يعد مؤشرًا كافيًا. وحتى نسبة التوظيف وحدها لا تعكس الصورة الكاملة.
بل ينبغي قياس جودة الوظائف التي يشغلها الخريجون، وسرعة حصولهم عليها، ومستوى رواتبهم، وتقدمهم المهني، ومدى رضا أصحاب العمل عن كفاءتهم، وقدرتهم على الابتكار، وإسهامهم في الاقتصاد الوطني.
فهذه المؤشرات هي التي تكشف مدى نجاح الجامعة في أداء رسالتها الحقيقية.
ومن الجوانب المهمة أيضًا أن الإعداد للمهنة لا يعني إعداد الطالب لوظيفة واحدة فقط، بل يعني إعداده لمسيرة مهنية طويلة قد ينتقل خلالها بين عدة وظائف وقطاعات. فالعالم لم يعد يعرف الوظيفة الدائمة، وإنما يعرف التعلم الدائم.
ولهذا فإن الجامعة الناجحة ليست التي تخرج طالبًا صالحًا لعام واحد، وإنما التي تخرج إنسانًا قادرًا على التعلم والتجدد لعشرات السنين.
إن الانتقال من “القبول في التخصص” إلى “الإعداد للمهنة” ليس تغييرًا في المصطلحات، بل هو تحول في فلسفة التعليم العالي بأكملها.
إنه انتقال من التركيز على المدخلات إلى التركيز على المخرجات، ومن إدارة المقاعد الدراسية إلى صناعة الكفاءات الوطنية، ومن منح الشهادات إلى بناء القدرات.وفي زمن أصبحت فيه المعرفة متاحة للجميع بضغطة زر، لم تعد قيمة الجامعة فيما تعرفه، بل فيما تصنعه من إنسان قادر على التفكير والإنتاج والإبداع والمنافسة.
وفي النهاية، ربما ينبغي ألا يكون السؤال الذي تطرحه الجامعات على الطالب عند القبول: “ما التخصص الذي ترغب فيه؟”، بل سؤالًا أكثر عمقًا وأبعد أثرًا: “أي مستقبل مهني نريد أن نبنيه معك؟”
فعندما يصبح هذا السؤال هو نقطة البداية، ستصبح الجامعة أكثر قدرة على تخريج أجيال لا تبحث عن وظيفة فحسب، بل تقود المهن، وتصنع الفرص، وتسهم في تحقيق التنمية الوطنية، وتنافس بثقة في الاقتصاد العالمي، وهو الهدف الذي ينبغي أن تتجه إليه الجامعات في عصر تتغير فيه المهن أسرع مما تتغير فيه المناهج.