د.عيد بن حجيج الفايدي
يشهد التعليم العالي عالمياً تحولاً لافتاً من مفهوم الجامعة المنفردة إلى مفهوم «الجامعة السوبر» (Super-University)، وهو نموذج مؤسسي يقوم على بناء كيان جامعي كبير يضم عدداً من الجامعات والمؤسسات الأكاديمية تحت مظلة استراتيجية وإدارية واحدة، مع المحافظة على الهوية الأكاديمية لكل مؤسسة على حدة. ويهدف هذا النموذج، في جوهره، إلى رفع الكفاءة التشغيلية، وتوحيد القدرات البحثية، وتعزيز القدرة على المنافسة العالمية، من دون المساس بخصوصية كل جامعة أو دورها المجتمعي المحلي.
وقد برز هذا الاتجاه بوضوح في المملكة المتحدة من خلال مشروع دمج جامعتي «غرينتش وكِنت» ضمن مجموعة جامعة لندن وجنوب شرق إنجلترا (LASE)، كما ظهرت نماذج مشابهة في الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية ودول أخرى، وإن اختلفت فلسفاتها بين دمج إداري جزئي ودمج أكاديمي كامل. والقاسم المشترك بين هذه التجارب هدف رئيس واحد: بناء مؤسسات تعليمية أقدر على الابتكار، وأكثر جاذبية للكفاءات والتمويل، وأقوى حضوراً على الساحة العالمية.
أما في المملكة العربية السعودية، فتبدو البيئة اليوم مهيأة لدراسة نموذج سعودي خاص ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030. غير أن هذا النموذج، إن أُريد له النجاح، لا ينبغي أن يكون مجرد عملية دمج إداري لجامعات قائمة، بل مشروعاً وطنياً يعيد هندسة منظومة التعليم العالي بأكملها، بما يحقق توازناً دقيقاً بين قوة الكيان المركزي وخصوصية التنمية المحلية لكل منطقة.
وتتمثل الخطة المقترحة في إنشاء «جامعة سوبر» في كل منطقة إدارية من مناطق المملكة، بحيث تصبح الجامعة الرئيسة في المنطقة هي المظلة الاستراتيجية والإدارية للجامعة، بينما تتحول جميع الفروع الجامعية التابعة لها إلى جامعات مستقلة تحمل أسماء المدن التي تقع فيها، مع احتفاظ كل منها باستقلالها الأكاديمي وارتباطها الوثيق بخدمة مجتمعها المحلي، في حين تبقى جميعها منضوية تحت منظومة موحدة في الحوكمة، والتخطيط، والبحث العلمي، والاستثمار، والابتكار.والأوقاف
ويمثل هذا التصور، من الناحية الاستراتيجية، نقلة نوعية حقيقية؛ إذ يجمع بين مزايا اللامركزية الأكاديمية والمركزية الاستراتيجية في آن واحد. فالجامعة الأم تتولى رسم السياسات العامة، وإدارة الأوقاف والاستثمارات، والإشراف على المشاريع البحثية الكبرى، وبناء الشراكات الدولية، وتطوير الأنظمة الرقمية والموارد البشرية، بينما تحتفظ جامعات المدن بصلاحياتها الأكاديمية والإدارية في تطوير برامجها وخدمة احتياجاتها التنموية، بما ينسجم مع الخصائص الاقتصادية والاجتماعية لكل مدينة على حدة. وهذا التوزيع للأدوار ليس شكلياً، بل هو المعادلة التي تحدد نجاح النموذج أو فشله: فأي اختلال في توازن الصلاحيات، سواء بمركزية مفرطة تخنق الجامعات المحلية أو لامركزية مفرطة تفقد الكيان الأم قدرته على التوجيه، سيقوّض الفكرة من أساسها.
ومن الناحية التنافسية، سيؤدي هذا النموذج إلى تكوين كيانات تعليمية ضخمة قادرة على المنافسة في التصنيفات العالمية، ذلك أن التصنيفات الحديثة تعتمد بدرجة كبيرة على حجم الإنتاج البحثي، ومستوى التعاون الدولي، وجودة الدراسات العليا، والابتكار؛ وهي عناصر يمكن تعزيزها عبر توحيد الإمكانات البحثية داخل الجامعة السوبر، مع استمرار الجامعات التابعة في أداء رسالتها التعليمية والتنموية المحلية.
كما يحمل تحويل الفروع إلى جامعات مستقلة بعداً تنموياً بالغ الأهمية؛ إذ يمنح كل مدينة هوية جامعية خاصة بها، ويعزز ارتباط الجامعة بمجتمعها المحلي وسوق العمل فيها، ويسمح لبيئة تنافسية إيجابية بين جامعات المنطقة الواحدة، بدلاً من بقائها فروعاً محدودة الصلاحيات والطموح. وبهذا تصبح كل جامعة قادرة على بناء تخصصاتها بما يتوافق مع المزايا النسبية لمدينتها، سواء في الصناعة أو التعدين أو السياحة أو الزراعة أو التقنية أو الخدمات اللوجستية؛ وهو ما يحوّل الجامعة من مؤسسة تعليم عام إلى شريك تنموي مباشر في اقتصاد مدينتها.
ومن زاوية الحوكمة، ستحد الجامعة السوبر من ازدواجية الإنفاق الإداري وتكرار الخدمات، عبر توحيد الأنظمة المالية والقانونية والموارد البشرية والمشتريات والتحول الرقمي، وهو ما يحقق كفاءة أعلى في استخدام الموارد، ويمنح الجامعات التابعة مساحة أكبر للتركيز على جودة التعليم والبحث العلمي بدلاً من الانشغال بالأعباء التشغيلية والإدارية المتكررة.
كما يسهم هذا النموذج في بناء منظومة بحثية متكاملة داخل كل منطقة إدارية، حيث تتوزع المراكز البحثية وفق التخصصات، لكنها تعمل ضمن شبكة واحدة تتبادل الخبرات والباحثين والمعامل والبيانات، مما يرفع جودة الإنتاج العلمي، ويزيد من فرص الحصول على التمويل المحلي والدولي على حد سواء.
ورغم المزايا الكبيرة لهذا التصور، فإن نجاحه الفعلي مرهون بمعالجة عدد من التحديات الجوهرية، في مقدمتها: بناء إطار تشريعي واضح يحدد طبيعة العلاقة بين الجامعة السوبر وجامعات المدن، وضمان العدالة في توزيع الموارد بين الجامعات التابعة، والمحافظة على الهوية المؤسسية لكل جامعة، وإدارة التغيير بصورة تدريجية ومدروسة تضمن مشاركة القيادات الأكاديمية وأعضاء هيئة التدريس والمجتمع المحلي في صياغة هذا التحول، لا فرضه عليهم. فالتجارب الدولية المماثلة تُظهر أن أكبر مخاطر هذا النوع من الدمج ليست تقنية أو مالية، بل بشرية وثقافية، تتصل بمقاومة التغيير وتضارب الهويات المؤسسية القديمة.
وما يميز هذا النموذج أنه لا ينطلق من وجود أزمة في التعليم العالي السعودي، وإنما من رؤية استباقية تسعى إلى بناء جيل جديد من الجامعات القادرة على المنافسة العالمية، مع المحافظة على دور الجامعة في خدمة التنمية المحلية. وهو بذلك يمثل نموذجاً سعودياً جديداً يمكن أن يجمع بين مزايا التجربة البريطانية في الحوكمة المشتركة، والتجربة الأمريكية في التكامل المؤسسي، مضيفاً إليهما بعداً وطنياً خالصاً: أن تكون لكل منطقة إدارية جامعة سوبر تقود التنمية المعرفية فيها، ولكل مدينة جامعتها المستقلة التي تحمل اسمها وتستجيب لاحتياجاتها، لتتشكل في النهاية شبكة وطنية من الجامعات المترابطة، القادرة على تحويل المملكة إلى إحدى أهم القوى العالمية في التعليم العالي والبحث والابتكار خلال العقود القادمة، بعون الله تعالى.