فائز بن سلمان الحمدي
إن الكلمة في شريعة الإسلام ليست لفظًا يسترسل على عواهنه، ولا رأيًا تذريه نوازع الهوى، وإنما هي أمانة معقودة العرى بالديانة، موصولة الأسباب بالمروءة، مشدودة الوثاق بمقاصد الشرع؛ بها تشاد معالم الهدى، وبها تستصلح القلوب، وعليها تنتظم عقود الجماعة. فإذا انحرفت عن جادة الحكمة، واستدرجت إلى مهاوي اللدد، واستنفدت في مكايدات الخصومة، انقلبت - وهي التي خلقت للإحياء - معولًا للتصدع، ونارًا تستعر في حشا الأمة، وتوهي بنيانها من حيث أريد له الرسوخ والإحكام. ولم تزل سنة الله جاريةً بأن يبعث في ساعات الاشتباه رجالًا تستبين بهم السبل، وتنقشع بهم غياهب الالتباس، فيردون الشارد إلى الجادة، ويقيمون المعوج على سنن الاستقامة، ويكفون الخطاب عن التهافت في مهاوي الفتن. ومن هذا الباب جاء توجيه معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ، صادرًا عن بصر نافذ بمقاصد الشريعة، وفقه راسخ بأقدار المصالح والمفاسد، واستيثاق من أن المنابر أجل خطرًا، وأعظم حرمةً، من أن تجعل معارك للأهواء، أو موارد للتجاذبات، أو مهابط لما يهيج الضغائن ويستثير العصبيات. فلم يكن ذلك التوجيه معالجةً لواقعة عارضة، ولا تدبيرًا لطارئ من الطوارئ، بل كان تأصيلًا لميزان شرعي محكم، وإحياءً لمعالم أصيلة في فقه الدعوة، وتذكيرًا بأن المنبر موضع البلاغ عن الله، لا منصة الانتصار للآراء، وأن الداعية وارث النبوة، لا متصدر الخصومات، وأن شرف الكلمة إنما يستمد بهاءه من موافقته للحق، وحسن تنزيله، وسلامة مآله، لا من صخبها، ولا من رواجها، ولا مما تحدثه من جلبة في الأسماع. وما أرفع منزلة العالم حين يمسك حيث يكون الإمساك أفقه من الإفصاح، ويقول حيث يكون البيان أوجب من السكوت؛ فإن الحكمة ليست في استيعاب المقالات، وإنما في إحكام المقامات، وليست في كثرة الجواب، وإنما في إصابة الصواب، ومعرفة ما يصلح ولا يفسد، ويجمع ولا يفرق، ويخمد ولا يؤجج. وذلك هو الفقه الذي لا يرزقه إلا من رسخت قدمه في العلم، واستضاء قلبه بأنوار البصيرة، واستعلى على حظوظ النفس، وآثر سلامة الأمة على نشوة الغلبة في الخصومة. ومن أجل ذلك بدا هذا التوجيه في أفق الدعوة كالسياج المنيع، يذب عن حمى المنبر، ويصون مهابة العلم، ويكف ألسنة الخطباء عن التورط فيما لا تعود عاقبته إلا بمزيد من التنازع، ويغرس في النفوس أن المقصود من الدعوة استنقاذ اللق من أسباب الفرقة، لا استكثار وجوه الخلاف، وأن أعظم البلاغ ما رد القلوب إلى ربها، وألف بينها، وأقامها على سواء السبيل. وهكذا تتجلى رزانة الدولة، وتتراءى محاسن سياستها الشرعية، في عنايتها بأن يبقى المنبر طاهر المورد، رفيع المقصد، سامي الرسالة، منزهًا عن غوائل الاستقطاب، معصومًا من دغل المنازعات، ليظل كما أراده الله: منارةً للهداية، ومشكاةً للحكمة، ورباطًا تعتدل به الأفهام، وتجتمع عليه الكلمة، وتأتلف في ظلاله القلوب. وليس بعد ذلك إلا أن يعلم أن صلاح المنابر أصل صلاح المجتمعات، وأن استقامة الكلمة مفتاح استقامة الجماعة؛ فإذا صلح المنبر صلحت الكلمة، وإذا صلحت الكلمة اجتمع الناس، وما اجتمعت أمة على هدى إلا كان أول أمرها صدق البيان وآخره وحدة البنيان.