عبدالكريم بن دهام الدهام
في وطن يمتد بعمق التاريخ، ويتسامق بعزم الحاضر نحو آفاق المستحيل، تطل علينا المبادرات الوطنية الكبرى للمملكة كمنارات مضيئة تشد وثاقنا بأرضنا الغالية. إن تخصيص مساحة وطنية جامعة للاحتفاء بعام الماء ليس مجرد شعار عابر في مفكرة الأيام، بل هو التزام سعودي بامتياز، استلهمته الرؤية السديدة لقيادتنا الرشيدة ليكون عنواناً ملهماً للعمل الجماعي والسلوك الإيجابي، يربط كل مواطن ومقيم يعتبر هذه الأرض الطاهرة وطناً له بالأولويات الوطنية والوجودية الكبرى.
وكان لافتاً، ومبعثاً للفخر والاعتزاز، أن تصاغ ملامح هذا التوجه من قلب الحراك التنموي الشامل للمملكة، وبتوجيهات مسددة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وعرّاب الرؤية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظهما الله-. وجاءت الرؤية لتضع «الماء» في صدارة الوعي الإنساني، معلنةً انطلاق مرحلة جديدة من المسؤولية والمحبة تجاه المورد الأغلى على وجه الأرض.
قد يتساءل البعض بفضول المحب: لماذا «الماء» تحديداً في هذا التوقيت؟! ولماذا يحظى بهذا الزخم الاستراتيجي والعاطفي؟! ولهم نقول بقلوب ملؤها اليقين والافتخار: إن «الماء» في الرؤية السعودية ليس مجرد مركب كيميائي نروي به عطشنا، بل هو في جوهره رمز لقصة كفاحنا الطويلة، وجوهر ارتباطنا بالصحراء التي تحولت بسواعد أبنائها إلى واحات من العطاء والازدهار. إن الماء يمثل في نموذجنا السامي روح إجماعنا على الوطن، وولائنا للقيادة، وهو شريان الحياة الذي يغذي طموحات «رؤية المملكة 2030». فالقيادة الحكيمة تؤمن بأن أمننا المائي هو أمننا الوجودي، وأن الحفاظ على هذا المورد الثمين هو الركيزة الأساسية لاستقرار «البيت السعودي الكبير» وازدهار مجتمعنا الذي يُعد المعول الأول والأبرز في مكامن قوتنا. ولا يخفى على ذي لبّ أو عاطفة أن المياه هي الأساس المتين لمنظومة مجتمعية متكاملة قوية ومستدامة. فلا يمكن لزراعة أن تخضر، ولا لصناعة أن تزهر، ولا لبيئة أن تتعافى، ولا لرفاهية إنسانية أن تدوم دون قطرة ماء آمنة ومصونة. ولذلك جاء الالتزام الحكومي ليقول للجميع: إن الخطط التنموية في المملكة لا تنفك بأي حال من الأحوال عن البعد البيئي والاجتماعي. وتتجلى هذه الحقيقة في أبهى صورها من خلال المشاريع الأسطورية التي تبنتها المملكة؛ من محطات تحلية المياه العملاقة التي تقود العالم تقنياً، إلى الابتكارات الفريدة في إدارة المياه الجوفية، وصولاً إلى المبادرة التاريخية التي هزت العالم بإعلان سمو ولي العهد عن تأسيس «المنظمة العالمية للمياه» ومقرها الرياض، لتكون المملكة قلب العالم النابض لحلول المياه ومكافحة شحها عالمياً.
إن موافقة مجلس الوزراء على تسمية عام 2027 بعام الماء يجب أن يأتي بعده حراك شامل من جميع القطاعات سواء الصحة والتعليم والإسكان والاقتصاد والإعلام والرياضة للقيام بدورها التاريخي. من المدارس التي تغرس في نفوس أطفالنا أن «الماء نعمة عظمى وأمانة»، إلى المصانع والحقول، وصولاً إلى المنابر الإعلامية؛ الجميع بات مدعواً ليكون حارساً وفياً لأمننا المائي. إنها دعوة لتعزيز الوعي في الخطاب الوطني اليومي، ليصبح الترشيد ثقافة، والحفاظ على الماء سلوكاً يعبر عن عمق الانتماء والامتنان لبلد أعطى ويبذل بلا حدود.
ولأن المملكة دولة الأفعال الكبرى التي تبهر العالم، فإنه يجب أن تتضافر جهود الجهات الحكومية والخاصة لتشكيل فريق عمل وطني متكامل، يعمل على مسارات إستراتيجية متكاملة تشمل: «السياسات والبرامج المبتكرة»، و»التدخلات السلوكية المجتمعية»، و»الاستدامة البيئية للموارد». إننا نعيش حراكاً يقوده الوعي ويحركه الحب وتصونه المسؤولية تجاه أجيالنا القادمة التي نثق بأنها ستجني ثمار هذا الغرس المبارك وتفخر بوعي آبائها.
ومع «عام الماء»، تترسخ في أعماقنا قناعة لا تزعزعها الأيام؛ بأننا نعيش في كنف دولة جعلت من كرامة الإنسان واستدامة عيشه محور اهتمامها الأول، واعتبرت استقرار الموارد حجر الأساس في مسيرة التقدم والنماء الشامل. إن بلادنا تواصل مسيرتها بثقة، وتتوخى بعبقريتها المعهودة مصلحة أبنائها، معبرة عن قناعتها بأن الوعي الشعبي هو سر قوتها، وأن تلاحم القيادة والشعب هو الضمان الأكيد لتجاوز كل التحديات الطبيعية والجغرافية لتبقى راية التوحيد خفاقة، وتبقى أرضنا واحة خير وأمان مائي.
كل الامتنان والشكر لقيادتنا الرشيدة التي تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من داخل عقل الإنسان ووجدانه، وحيث المجتمع الواعي والمترابط بمسؤولياته هو أقوى أدوات التمكين الوطني، والأجدر بصناعة المجد للمستقبل.