مهدي العبار العنزي
في زحمة الحياة المعاصرة وسرعة إيقاعها، يقف كبار السن كالأشجار الشامخة التي تمتد جذورها في عمق الأرض، تظللنا بظلها المديد، وتمنحنا ثمار الحكمة والخبرة التي لا تُقدّر بثمن. إن كبار السن - سواء كانوا من الأقربين كالوالدين، أو من عامة أفراد المجتمع - ليسوا مجرد فئة متقدمة في العمر، بل هم التاريخ الحيّ، والسند الروحي، والبقية الباقية من أصحاب الفضل والتضحيات التي شَيّدت حاضرنا.
أولاً: تضحياتٌ شَيّدت الحاضر وأرست البناء
لم يصل نسلٌ إلى ما هو عليه اليوم من استقرار ورغد عيش، ولا قامت نهضةٌ في أرض، إلا على كاهل رجال ونساء بذلوا زهرة شبابهم، وتحملوا المشاقّ والصعاب في أزمنةٍ كانت أشد قسوة وأقل إمكانيات. لقد أفنوا قواهم ورخصوا زهرة أعمارهم ليضمنوا لأبنائهم ومجتمعاتهم غداً أفضل؛ فكان الصبر سلاحهم، والعطاء الصامت منهجهم. إن تقدير هذه التضحيات ليس خياراً نبيلاً فحسب، بل هو دينٌ أخلاقي ووفاءٌ واجب؛ إذ لا يمكن لجميلٍ أن يُنسى، ولا لمعروفٍ أن يُجحد من نفوسٍ عرفت الشرف والأصالة.
ثانياً: مكانة كبار السن في شريعتنا وقيمنا الأصيلة
جاءت شريعتنا الإسلامية السمحة وقيمنا العربية المجيدة لتضع توقير الكبير في موضعٍ سامٍ يعكس مروءة الإنسان وشهامته. وقد جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ من إجلالِ اللهِ إكرامَ ذي الشَّيبةِ المسلمِ». فاحترام الشيبة وإجلال مقامهم مرتبطٌ وثيقاً بتقوى الله وتوقيره. وتتضاعف هذه المسؤولية حين يكون هؤلاء الكبار من الأقربين؛ حيث يجمع إكرامهم بين الواجب الأخلاقي، وبرّ الوالدين، وصلة الرحم التي تُفصح عن معدن الإنسان الأصيل ووفائه لغرسه الأول.
ثالثاً: صور التقدير بين الأقربين وعامة الناس
تتجلى أدبيات احترام الكبير في سلوكيات يومية بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها:
مع الأقرباء (الوالدان، الأجداد، والإخوان والأخوات وغيرهم):
• حسن الإنصات: الإصغاء لأحاديثهم وذكرياتهم بتأنٍّ واهتمام، وإظهار الشغف بما يروونه، ففي ذلك ردٌّ لبعض جميلهم وإشعارٌ لهم بمكانتهم.
• الرعاية النفسية والمودّة: كبار السن يتأثرون بالكلمة الطيبة والاهتمام المعنوي والسؤال المستمر أكثر من الماديات.
• حفظ المكانة وإبراز الرأي: تقديمهم في المجالس، ومشورتهم في الأمور الأسرية، وإظهار الحاجة إلى حكمتهم وتجاربهم.
مع عامة المجتمع:
• المبادرة بالمساعدة والرعاية: تقديمهم في مرافق الخدمة، والأماكن العامة، والطرقات، وهو مظهر حضاري وأخلاقي رفيع يدل على تحضر الأمة.
• الرفق والتبجيل: خفض الصوت عند مخاطبتهم، والتعامل معهم بجميل اللفظ والتقدير الذي يليق بسنوات عمرهم.
ختاماً: ما نزرعه اليوم نحصده غداً
إن الاحترام الذي نقدمه لكبار السن اليوم ليس إلا استثماراً صادقاً في مستقبلنا الشخصي؛ فسنوات العمر تمضي سريعاً، وسنكون يوماً ما في موقعهم، نتطلع إلى كلمة طيبة، أو يدٍ حانية، أو تقديرٍ لما قدمناه في سالف الأيام. إن مجتمعاً يعرف قدر كبارِهِ ويحفظ لهم مقامهم هو مجتمعٌ حيّ، ممتلئ بالخير والبركة، يستند إلى أصالة ماضيه ليمضي بخطى واثقة نحو مستقبله.