عبود بن علي ال زاحم
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا». حديث قصير في كلماته لكنه يرسم منهجًا كاملًا للحياة. فالطير تبدأ يومها جائعة. لا تعرف أين رزقها ولا كم ستجد ولا أي طريق سيقودها إليه. ومع ذلك تغادر أعشاشها في الصباح وتسعى في الأرض ثم تعود وقد امتلأت بطونها. وهنا يكمن المعنى الجميل. الطير توكلت.. لكنها طارت. لم تبقَ في أعشاشها تنتظر أن يسقط الرزق أمامها. ولم تجعل خوفها من المجهول سببًا للتوقف. خرجت وسعت وبحثت وهي لا تحمل ضمانًا إلا ثقتها بالله. وهذا هو التوكل الذي نحتاج إلى فهمه في حياتنا.
التوكل ليس أن تتوقف عن العمل وتقول: سيأتيني رزقي. وليس أن تهمل الفرص ثم تنتظر النتائج. وليس أن تترك التخطيط والتطوير والمحاولة بحجة أن كل شيء مكتوب.
التوكل الحقيقي أن تعمل وكأن الوصول يحتاج إلى كل جهدك، وتطمئن وكأن الأمر كله بيد الله.
أن تقدم على الوظيفة وتسعى إليها. أن تتعلم وتطور نفسك. أن تبدأ مشروعك وتدرس مخاطره. أن تطرق الأبواب وتكرر المحاولة. أن تخطط لمستقبلك وتجتهد في عملك ثم لا تجعل قلبك معلقًا بسبب من الأسباب.
لأن السبب وسيلة.. والرزاق هو الله. فكم من إنسان ظن أن رزقه في وظيفة فلم تُكتب له ثم فُتح له باب أفضل منها.
وكم من شخص اعتقد أن نجاحه مرتبط بإنسان أو منصب أو فرصة ثم تغيرت الظروف واكتشف أن ما أغلق أمامه لم يكن نهاية الطريق بل بداية لطريق آخر. وكم من باب طرقناه طويلًا ولم يفتح لأن الله كان يدخر لنا بابًا لم نكن نراه.
المشكلة أننا أحيانًا نحصر الرزق في الصورة التي رسمناها لأنفسنا. فإذا تأخرت ترقية شعرنا أن رزقنا تأخر. وإذا لم نحصل على وظيفة اعتقدنا أن الفرص انتهت. وإذا تعثر مشروع ظننا أن النجاح ابتعد. بينما رزق الله أوسع من تصوراتنا. الرزق ليس مالًا فقط. قد يكون فرصة. وقد يكون علمًا. وقد يكون شخصًا صالحًا في طريقك. وقد يكون راحة بال. وقد يكون بابًا أغلقه الله حمايةً لك قبل أن تعرف ما خلفه. لكن التوكل لا يصنع الإنسان المتواكل. وهنا يجب أن نفرق جيدًا.
من ينتظر النجاح دون عمل لا يتوكل بل ينتظر. ومن يريد الترقية دون تطوير نفسه لا يتوكل بل يتمنى. ومن يريد الرزق دون أن يتحرك نحوه فقد نسي أن الطير التي ضرب بها النبي صلى الله عليه وسلم المثال غدت.
خرجت من عشها. وهذه رسالة عظيمة لكل إنسان يقف اليوم أمام قرار أو فرصة أو مرحلة جديدة ويخاف مما وراءها:
اخرج من عشك. ابدأ. تعلم. جرّب. اسعَ.
خذ بالأسباب المتاحة لك ولا تجعل الخوف من النتائج يشل قدرتك على الحركة. وفي الوقت نفسه لا تجعل قلبك أسيرًا للنتيجة.
قد تبذل كل الأسباب ولا تحصل على ما أردت. وهنا يظهر صدق التوكل. أن تعلم أن اختيار الله لك قد يكون مختلفًا عن اختيارك لنفسك وأن المنع أحيانًا صورة من صور العطاء وإن لم نفهمها في لحظتها.
في حياتنا المهنية خصوصًا نحتاج إلى هذه الثقافة. نحتاج إلى موظف يعمل ويتطور ولا ينتظر أن تأتيه الفرصة إلى مكتبه. وإلى قائد يصنع الفرص ولا يخشى التجربة. وإلى شاب يعرف أن مستقبله لا يبنى بالأمنيات بل بالعلم والعمل والمبادرة والاستمرار.
وفي المقابل نحتاج إلى قلوب أكثر طمأنينة.
نبذل الأسباب دون أن نعبدها. نعمل دون أن نعتقد أن قوتنا وحدها هي التي صنعت النجاح. وننجح دون أن ننسى أن هناك توفيقًا من الله سبق كل إنجاز.
التوكل لا يلغي السعي.. بل يمنح السعي طمأنينة. فلا تقلق كثيرًا على رزق كُتب لك. ولا تتوقف عن السعي إليه. كن مثل الطير..
تغادر وأنت لا تملك كل الإجابات. تسعى وأنت لا تعرف ماذا ينتظرك. وتعود بقلب يعرف أن الرزق لم يكن يومًا بقوة الجناحين وحدهما.
فالجناح سبب.. والرزق من الله.