عوض علي أحمد الطالبي
تُعدّ قاعدة «الجهل بالقانون لا يعفي من العقوبة» واحدةً من أهم الركائز الأساسية التي تضمن استقرار المجتمعات وسيادة العدالة فيها. فهي ليست مجرد نص قانوني جامد، بل هي المبدأ الذي يحمي الدولة من حالة الفوضى العارمة التي قد تحدث إذا أصبح بإمكان كل ممتنع عن الالتزام أو مرتكب لمخالفة أن يتحجج بأنه لم يكن يعلم بالنظام.
مع اتساع رقعة التشريعات الحديثة وتنظيمها لأدق تفاصيل الحياة اليومية، من المعاملات المادية والتجارية، إلى الفضاء الرقمي وسلوكيات النشر والتواصل الاجتماعي أصبح الوعي النظامي ضرورة ملحة وأساسية.
ومن ركائز المبدأ الجوهرية يأتي إغلاق باب الذرائع: لو أُتيح لكل مخالف الادعاء بالجهل، لأصبحت المحاكم ساحة للتهرب من المساءلة ولتعطلت أجهزة التنفيذ. وتحقيق المساواة أمام النظام: يتعامل القانون مع الجميع بمعيار واحد؛ فالالتزام مسؤولية فردية تقع على عاتق الكل دون تمييز. واستقرار المعاملات: ضمان حقوق الأفراد والمؤسسات يتطلب منظومة حازمة تحمي العقود والالتزامات وتمنع الاعتداء عليها تحت أي مبرر.
وفي عصر الإعلام الجديد والمنصات الرقمية، لم يعد التعدي على القوانين يقتصر على المخالفات التقليدية، بل امتدّ إلى الكلمة المنشورة، والتغريدة، وإعادة التداول. و»كثيرون يقعون في فخ المخالفات مثل جرائم المعلوماتية، أو التشهير، أو انتهاك الملكية الفكرية، ويظنون أن حُسن النية سيعصمهم.. وهنا تتجلى حقيقة أن عدم العلم بالنظام لا يغير من واقع الجرم شيئاً».
وإذا كان القانون ينص على أن الجهل به لا يعفي من العقوبة، فإن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تعزيز الثقافة القانونية لدى الجمهور، وهذه المسؤولية تتوزع على عدة أطراف:
المؤسسات الإعلامية والصحافة: بلغة بسيطة ومباشرة تشرح الأنظمة الجديدة وتستعرض أبعادها دون تعقيد مصطلحي.
التعليم والأسرة: غرس احترام النظام والتفكير في تبعات الأفعال قبل اتخاذها.
الفرد نفسه: التريث والسؤال والاستشارة القانونية قبل إقدامه على أي إجراء تجاري، أو إعلامي، أو قانوني قد يجهل تبعاته.
خاتمة:
القانون لم يُوضع ليكون قيداً على حريات الناس، بل ليكون الدرع الذي يحمي حريات الجميع من تجاوزات الآخرين. والوعي بالأنظمة واللوائح والالتزام بها ليس رفاهية فكرية، بل هو المعيار الحقيقي للمواطنة الواعية والمجتمع المتقدم.
تذكّر دائماً: فلتكن معرفة النظام هي خط دفاعك الأول، قبل أن تكون عقوبته هي الدرس الأخير.