د.عبدالرحيم محمود جاموس
ليس من الحكمة قراءة اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان باعتباره مجرد اتفاق عسكري جديد، كما ليس من الدقة اختزاله في فكرة إنشاء «ناتو إسلامي» أو اعتباره موجهاً ضد دولة بعينها. فالاتفاق، في تقديري، يستحق قراءة أوسع وأعمق؛ لأنه يأتي في لحظة تاريخية يعيش فيها الشرق الأوسط مرحلة انتقالية بين نظام أمني قديم أخذت ركائزه تتآكل، ونظام جديد لم تتضح ملامحه النهائية بعد.
لقد أظهرت الحروب والأزمات المتلاحقة في المنطقة، من فلسطين إلى الخليج، ومن سوريا والعراق إلى البحر الأحمر، ومن المواجهات الإسرائيلية ـ الإيرانية إلى تداعياتها الإقليمية والدولية، أن منظومة الأمن التي قامت لعقود على المظلات الخارجية والتحالفات الثنائية لم تعد قادرة وحدها على إنتاج الاستقرار.
وهنا تحديداً تكمن أهمية «اتفاق مكة».
إنه ليس بالضرورة إعلاناً عن ولادة نظام أمني جديد، لكنه قد يكون أحد المؤشرات المبكرة على أن دولاً إقليمية بدأت تفكر في بناء هذا النظام بأيديها.
من حماية الخارج إلى قدرة الداخل
كان الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، إلى حد بعيد، يقوم على معادلة واضحة: قوى إقليمية متنافسة، ودول عربية تعتمد بدرجات متفاوتة على المظلة الأمريكية، وقوة إسرائيلية متفوقة نوعياً، وشبكة من الترتيبات الأمنية الثنائية.
لكن السنوات الأخيرة كشفت حدود هذه المعادلة.
فالحرب لا تتوقف بالضرورة لأن قوة كبرى موجودة في المنطقة، والردع لا ينجح دائماً بمجرد امتلاك السلاح، كما أن الدول لا تستطيع أن تضمن أمنها إذا بقيت رهينة لتبدلات أولويات القوى الكبرى.
من هنا يمكن فهم الاتجاه نحو بناء قدرة إقليمية ذاتية على الردع.
وهذا لا يعني الاستغناء عن الولايات المتحدة أو الغرب، ولا يعني الانفصال عن التحالفات القائمة؛ بل يعني أن دول المنطقة تريد أن تصبح شريكاً في إنتاج أمنها، لا مجرد متلقٍ لترتيبات أمنية يضعها الآخرون.
والفارق بين الأمرين كبير.
إنه انتقال من مفهوم «الحماية» إلى مفهوم «القدرة».
لماذا مكة؟
اختيار مكة مكاناً لتوقيع الاتفاق يحمل دلالة سياسية ورمزية لا ينبغي تجاهلها.
فمكة ليست عاصمة سياسية لدولة فحسب، وإنما ذات مكانة دينية جامعة للعالم الإسلامي. ولذلك فإن التسمية نفسها تمنح الاتفاق بعداً يتجاوز المصالح الثنائية والثلاثية، شريطة ألا يتحول هذا البعد اصطفاف ضد الآخرين.
وهنا تبرز قيمة الصيغة التي تبدو أكثر حكمة: اتفاق دفاعي لا تحالف هجومي، وردع لا استقطاب، وتعاون لا إعلان خصومة.
وقد يصبح اتفاق مكة منصة للتقارب الأمني بين دول ذات مصالح مشتركة.
ثلاث قوى... وثلاثة مصادر للقوة
السعودية وتركيا وباكستان ليست ثلاث دول متشابهة، وهذه ربما إحدى نقاط قوة الاتفاق.
السعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والمالي والطاقة والموقع الجغرافي والنفوذ السياسي العربي والإسلامي.
تركيا تجمع بين الموقع الجغرافي الفريد، والقوة العسكرية، والخبرة العملياتية، والصناعة الدفاعية التي أصبحت أحد عناصر قوتها الاستراتيجية.
أما باكستان فتضيف كتلة عسكرية وبشرية كبيرة، وخبرة استراتيجية عميقة، وموقعاً جيوسياسياً مهماً في جنوب آسيا.
وبذلك يقوم الاتفاق على تكامل مصادر القوة أكثر مما يقوم على تشابه الدول.
وهذه نقطة استراتيجية مهمة؛ فالتحالفات الأكثر قابلية للاستمرار ليست بالضرورة تلك التي تتطابق فيها مصالح أعضائها، وإنما تلك التي تستطيع أن تجعل اختلاف عناصر قوتهم مكملاً لبعضها بعضاً.
مكة... بداية أم لحظة عابرة؟
في النهاية، لا تكمن أهمية اتفاق مكة في عدد الدول التي وقعت عليه فقط، ولا في اللغة التي صيغ بها، وإنما في قدرته على إنتاج واقع جديد.
إذا بقي اتفاقاً سياسياً، فسيكون خطوة مهمة في التنسيق الدفاعي. وإذا تطور إلى مؤسسات وقدرات مشتركة، فقد يصبح نواة لمنظومة ردع إقليمية.
أما إذا اتسع ليشمل دولاً أخرى، مع الحفاظ على طابعه الدفاعي، فقد يدخل الشرق الأوسط مرحلة مختلفة عنوانها التوازن بدل الهيمنة، والردع بدل الحرب، والشراكة مع أمريكا ودول أخرى.
وهنا ينبغي أن نفهم اتفاق مكة باعتباره إعلاناً عن محاولة لجعل الحرب أقل احتمالاً.
فالردع الحقيقي ليس أن تكون قادراً على خوض الحرب، وإنما أن تجعل الآخرين يدركون أن كلفة الحرب أعلى من مكاسبها.
وإذا استطاعت السعودية وتركيا وباكستان، أن تحول هذه الفكرة إلى مؤسسات وقدرات وسياسات، فإن اتفاق مكة قد يكون أكثر من اتفاق دفاعي.
قد يكون إشارة إلى أن الشرق الأوسط، بعد كل ما دفعه من أثمان، بدأ يبحث عن أمنه من داخله، وعن توازن جديد يمنع الحروب بدلاً من إدارة نتائجها بعد وقوعها.