ناصر بن فريوان الشراري
تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة هي الأكثر تعقيداً ودقة في تاريخها الحديث، حيث تتداخل الصراعات العسكرية، وتتسارع المحاولات لإعادة رسم الخرائط وإخلال موازين القوى الإقليمية، وفي وسط هذه الأجواء المشتعلة والمخططات الدؤوبة التي تستهدف تفتيت المكامن الحيوية للدول العربية والإسلامية، تبرز الحاجة الماسة إلى حراك استراتيجي غير تقليدي يقطع الطريق على أي محاولات للاستفراد أو الهيمنة، ويصنع واقعاً جديداً يقوم على الندّية والردع التكاملي.
الرؤية الثاقبة وهندسة التوازنات
لم تكن التحركات الدبلوماسية والعسكرية الأخيرة لمملكتنا الغالية وليدة الصدفة أو ردود أفعال لحظية، بل جاءت ثمرة قراءة دقيقة وعميقة للمشهد الدولي والإقليمي، يقودها بعزم واقتدار مهندس السياسة السعودية الحديثة، سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-.
لقد أثبتت الأحداث المتتابعة أن سموه يمتلك نظرة فاحصة ومتمرسة تتجاوز السياسات التقليدية إلى بناء معادلات استباقية حاسمة، ومن هذا المنطلق، جاء التركيز على مد جسور التنسيق والتعاون الاستراتيجي والدفاعي مع القوى المحورية الكبرى في العالم الإسلامي وفي مقدمتها تركيا وباكستان ليؤسس لمرحلة جديدة من التوازن المتبادل والتكامل الشامل الذي يحمي الأمن القومي العربي والإسلامي.
مثلث الثقل: مركزية التأثير وقوة الردع
إن التقارب والتنسيق الثلاثي بين الرياض، وأنقرة، وإسلام آباد لا يمثل مجرد توافق سياسي عابر، بل هو عمود فقري لمنظومة أمنية متكاملة تجمع بين ثلاث قوى ضاربة في المنطقة:
الثقل الروحي والاقتصادي والقيادي للمملكة العربية السعودية، بكونها محرك القرار العربي والإسلامي وركيزة الاستقرار الاقتصادي العالمي.
القوة العسكرية والتصنيعية والجيوسياسية للجمهورية التركية، بما تمتلكه من خبرات وتكنولوجيا دفاعية متطورة وموقع جغرافي رابط.
القدرة الإستراتيجية والردع العسكري لجمهورية باكستان الإسلامية، بما تمثله من عمق عسكري ونووي وحضور إستراتيجي صلب.
هذا التناغم الثلاثي يشكل حائط صد منيعاً أمام أي مخططات تسعى لتغيير المعادلات الإقليمية على حساب أمن واستقرار الشعوب، ويرسل رسالة صريحة ومباشرة مفادها أن الاستفراد بأي دولة أو القفز على ثوابت المنطقة لم يعد أمراً ممكناً أو مسموحاً به.
التكامل الدفاعي والأمن الاقتصادي للأمة
لا يقتصر هذا البُعد الاستراتيجي على الجانب السياسي والعسكري المجرد، بل يمتد ليعالج أبعاداً حيوية تمس جوهر الاستقرار الإقليمي:
1 - استقلال القرار الدفاعي والصناعي: من خلال تعزيز التبادلات التقنية والعسكرية والصناعية وتوطين الصناعات الدفاعية، مما يقلل من الارتهان للضغوط الخارجية الشديدة ويعزز الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي للدول الثلاث وللمنطقة.
2 - حماية الممرات المائية وأمن الطاقة: يُسهم هذا التنسيق رفيع المستوى في تأمين خطوط الملاحة البحرية الدولية والطرق الاستراتيجية لنقل الطاقة، مما يحمي الاقتصاد العالمي من الهزات الناجمة عن الأزمات الإقليمية.
3 - الدبلوماسية الوقائية وتفكيك المخططات: الاعتماد على شبكة تحالفات مرنة ونافذة لقطع الطريق على المخططات الشائكة قبل تفاقمها، وتجريد أطراف النزاع الدولي من أوراق الضغط والتفرّد.
الردع الاستباقي لحماية المستقبل
إن المقاربة السعودية في إدارة الأزمات تعتمد بالأساس على فلسفة «الردع الهادئ» واستباق التهديدات عبر بناء تحالفات وشراكات متوازنة ومستدامة، ومن خلال هذا الفكر المتطوّر، يتحقق التوازن القيادي الذي يضمن لكل دولة عربية وإسلامية مظلة من الاستقرار، ويحبط كافة السيناريوهات التي تحاول إضعاف المنطقة أو إدخالها في صراعات مفتوحة لا تخدم إلا القوى المتطرفة أو الراغبة في الهيمنة المطلقة.
قائدة السلام وصانعة المستقبل
ستظل المملكة العربية السعودية، بقيادتها الرشيدة ورؤيتها المتكاملة، هي الركيزة الأساسية لأمن المنطقة وسلامها، وما نراه اليوم من تحركات واعية وتنسيق رفيع المستوى يسير في الاتجاه الصحيح الذي يضمن صيانة السيادة، وحماية المقدرات، وإحباط المخططات، لتبقى الأمة قوية بتضامنها، متمكنة برؤية قيادتها، وحاضرة في رسم مستقبلها بأيدي أبنائها.