جمال بن على بوحسن
لم يعد العالم يعيش مرحلة التحالفات التقليدية التي كانت تقوم على قطب واحد أو مظلة أمنية واحدة، بل دخلنا مرحلة جديدة تتشكل فيها موازين القوى وفق المصالح المشتركة، والقدرة على حماية الأمن الوطني، وتنويع الشراكات، وبناء منظومات ردع قادرة على التعامل مع الأزمات قبل تحولها إلى حروب.
في هذا السياق يأتي اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية والجمهورية الإسلامية الباكستانية، الذي تم توقيعه يوم الجمعة في اطهر بقاع الأرض بمكة المكرمة، ليشكل تطوراً إستراتيجياً يستحق التوقف عنده طويلاً، ليس فقط بسبب الدول الثلاث الموقعة عليه، وإنما بسبب التوقيت والظروف الإقليمية والدولية التي أحاطت به فاختيار المكان والزمان كذلك له دلالات على أن كل جزئية محسوبة، إذ جرت العادة أن توقيع المعاهدات والاتفاقيات يتم توقيعها في العاصمة الرياض أو مدينة جدة، ولكن اختيار المدينة المقدسة بمكة المكرمة وفي يوم الجمعة قبل الصلاة ثم يؤدي القادة الثلاثة صلاة الجمعة بالمسجد الحرام، ليكون التوقيع بهذه الكيفية يعطي اتفاقية مكة للدفاع المشترك قدسية إسلامية خاصة.
الحديث هنا ليس عن ثلاث دول إسلامية تتعاون عسكرياً فحسب، وإنما عن اجتماع ثلاث منظومات قوة مختلفة ومتكاملة.
السعودية تملك الثقل الاقتصادي والطاقة والمال والمكانة السياسية والدينية.
تركيا تملك القوة العسكرية والصناعات الدفاعية والتكنولوجيا والموقع الجغرافي الفريد.
وباكستان تملك القوة البشرية والعسكرية والخبرة الدفاعية والردع النووي.
وعندما تجتمع هذه العناصر، فإن الناتج الإستراتيجي يتجاوز مجرد جمع قدرات ثلاث دول. فالتحالفات الناجحة لا تقوم على عدد الجنود والطائرات فقط، وإنما على تكامل القدرات والإرادات والمصالح.
تنص المعادلة الأساسية للاتفاق الجديد على أن الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره اعتداءً على الدول الثلاث، مع تأكيد الدول الموقعة أن الاتفاق ذو طبيعة دفاعية ولا يستهدف دولة بعينها.
هذه النقطة بالذات تحمل رسالة استراتيجية مهمة: الردع لا يعني الرغبة في الحرب، بل يعني جعل الحرب أكثر تكلفة على من يفكر في إشعالها.
السعودية.. هي القوة التي تمسك بمفاتيح الاقتصاد والطاقة وعندما نتحدث عن السعودية في أي معادلة إستراتيجية، لا يمكن اختزالها في عدد الطائرات أو الجنود.
السعودية تمتلك مقومات أساسية مثل الاقتصاد والطاقة ولها تأثير سياسي كبير في السياسة الدولية، وتمتلك قدرة مالية تجعلها قادرة على الاستثمار في التكنولوجيا والصناعة والدفاع والبنية التحتية الاستراتيجية على مدى طويل.
كما أن موقع المملكة يمنحها أهمية استثنائية؛ فهي تطل على الخليج العربي والبحر الأحمر، وتقع في قلب العالم العربي والإسلامي، وتمتلك تأثيراً سياسياً واقتصادياً يتجاوز حدودها الجغرافية.
الأهم أن السعودية خلال السنوات الأخيرة لم تعد تنظر إلى الأمن من زاوية عسكرية فقط، وإنما من منظور شامل يربط بين الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والدفاع والسياسة الخارجية.
من هنا فإن دخول السعودية في شراكة دفاعية بهذا الحجم يعني أن القوة الاقتصادية السعودية يمكن أن تتحول إلى عنصر أساسي في بناء منظومة أمنية أكثر استقلالاً وتنوعاً.
أما تركيا، فهي تمثل في هذه المعادلة الذراع العسكري والصناعي والتكنولوجي. تركيا ليست مجرد دولة تمتلك جيشاً كبيراً؛ بل دولة بنت خلال السنوات الماضية قاعدة صناعات دفاعية واسعة، وأصبحت قادرة على إنتاج العديد من الأنظمة العسكرية التي كانت تعتمد في الماضي على الاستيراد.
القوة التركية اليوم تمتد إلى الطائرات المسيّرة، والصواريخ، والمدرعات، والسفن الحربية، والمروحيات، والإلكترونيات العسكرية، والحرب الإلكترونية، وغيرها من المجالات. كما أن تركيا عضو في حلف الناتو، ما يمنحها ارتباطاً استراتيجياً بالمنظومة الأمنية الغربية.
من هنا تأتي أهمية وجودها في التحالف الثلاثي؛ فهي تضيف إلى القوة المالية السعودية قدرة صناعية وتكنولوجية وعسكرية.. وهذا يفتح الباب أمام أحد أهم مجالات التعاون المستقبلي: وهي إنشاء منظومة صناعات دفاعية مشتركة، فالسعودية تمتلك رأس المال والسوق والاستثمار، وتركيا تمتلك التكنولوجيا والخبرة الصناعية، وباكستان تمتلك خبرات عسكرية وصناعية متراكمة.. هذه المعادلة قد تكون أهم من أي صفقة سلاح منفردة.
القوة البشرية والبعد النووي
أما باكستان، فإنها تضيف إلى التحالف عنصراً لا يمكن تجاهله: القوة البشرية والعسكرية والردع النووي. فهي دولة يبلغ عدد سكانها أكثر من 250 مليون نسمة، وتمتلك جيشاً كبيراً وخبرة عسكرية واسعة، فضلاً عن كونها الدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي.
وهنا يجب أن نكون دقيقين:
وجود باكستان النووية في التحالف لا يعني أن الاتفاق أصبح تحالفاً نووياً، ولا يعني تلقائياً أن المظلة النووية الباكستانية أصبحت مظلة رسمية للسعودية أو تركيا.
لكن وجود دولة نووية ضمن منظومة دفاعية مشتركة يرفع بالتأكيد من مستوى الردع السياسي والاستراتيجي للتحالف وإن لم يستخدم النووي. وهذه مسألة ستدخل حتماً في حسابات القوى الإقليمية والدولية.
القوة الحقيقية ليست في الأرقام..
وإنما في التكامل
إذا نظرنا إلى الدول الثلاث منفردة سنجد اختلافاً كبيراً في طبيعة القوة. أما إذا نظرنا إليها مجتمعة فنجد صورة مختلفة:
السعودية = المال والطاقة والموقع والنفوذ.
تركيا = التكنولوجيا والصناعة والقوة العسكرية.
باكستان = القوة البشرية والجيش والردع النووي.
هذا التكامل يمكن أن ينتج منظومة إستراتيجية ذات وزن كبير.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:
كم عدد الطائرات والدبابات التي تملكها الدول الثلاث؟
بل: هل تستطيع الدول الثلاث دمج قدراتها في منظومة واحدة؟
وهنا تكمن المعركة الحقيقية، من التعاون العسكري إلى الأمن المشترك إذا أرادت الدول الثلاث أن تجعل اتفاق مكة تاريخياً بالفعل، فإن الخطوة التالية يجب ألا تتوقف عند المناورات العسكرية. بل ينبغي أن تنتقل إلى إنشاء منظومة متكاملة تشمل:
- تبادل المعلومات الإستخباراتية.
- الإنذار المبكر.
- الدفاع الجوي والصاروخي.
- الأمن السيبراني.
- مكافحة الإرهاب.
- أمن الملاحة.
- حماية المنشآت الحيوية.
- التدريب العسكري المشترك.
- تطوير الصناعات الدفاعية.
- البحث والتطوير.
- الذكاء الاصطناعي العسكري.
- الأقمار الصناعية والاستطلاع.
عندها فقط يمكن القول إن التحالف انتقل من اتفاق سياسي إلى قدرة استراتيجية حقيقية.
ومن الخطأ النظر إلى الاتفاق باعتباره شأناً سعودياً فقط. فأمن السعودية جزء أساسي من أمن الخليج العربي. وأي منظومة دفاعية أكثر قوة للمملكة تعني بصورة غير مباشرة تعزيز قدرة المنطقة على مواجهة التهديدات التي تستهدف أمنها واستقرارها وممراتها البحرية ومنشآتها النفطية.
ولهذا فإن نجاح التعاون السعودي -التركي- الباكستاني يمكن أن يفتح المجال أمام مزيد من التنسيق مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي، بما يحافظ على خصوصية كل دولة ويعزز في الوقت ذاته مفهوم الأمن الخليجي المشترك.
ولا ينبغي اختزال الاتفاق في كونه تحالفاً موجهاً ضد إيران. فالدول الثلاث أكدت الطابع الدفاعي للاتفاق وعدم استهداف دولة بعينها. لكن في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل أن الاتفاق جاء في مرحلة تشهد توترات إقليمية شديدة، وأن إيران جزء أساسي من معادلات الأمن في الخليج والشرق الأوسط. ومن ثم فإن طهران ستضطر بالتأكيد إلى إعادة حساباتها.
فالرسالة التي يحملها التحالف ليست: نحن نريد الحرب.
بل: إذا فُرضت علينا الحرب، فلن تكون المواجهة مع دولة واحدة فقط. (وهذه هي فلسفة الردع).
التحالف الجديد يحمل أيضاً رسالة إلى القوى الكبرى.
فالرياض وأنقرة وإسلام آباد لا تقول للعالم إنها تريد الانفصال عن الولايات المتحدة أو أوروبا أو الصين أو روسيا. بل تقول شيئاً أكثر واقعية:
نحن نريد تنويع شراكاتنا وبناء قدراتنا الذاتية. وهذه السياسة أصبحت اتجاهاً واضحاً في العلاقات الدولية الحديثة.
تركيا عضو في الناتو.. السعودية شريك تاريخي للولايات المتحدة والغرب، كما طورت علاقاتها مع الصين وروسيا وغيرها.. وباكستان لديها علاقات استراتيجية عميقة مع الصين، إلى جانب علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول العربية.
وبالتالي فإن التحالف يمكن أن يكون نموذجاً للاستقلال الاستراتيجي دون العزلة الدولية.
التحدي الحقيقي.. هل تستطيع الإرادات السياسية الاستمرار؟
القوة لا تصنعها الأسلحة وحدها.
أصعب اختبار أمام أي تحالف هو:
استمرارية الإرادة السياسية.
فالسعودية لديها أولوياتها في الخليج والشرق الأوسط.
وتركيا لديها أولوياتها في سوريا والعراق والبحر الأسود والقوقاز وأوروبا. وباكستان لديها حساباتها الخاصة مع الهند وأفغانستان وبحر العرب.
ولهذا يجب أن يكون الاتفاق واضحاً في تحديد:
ما هو الاعتداء الذي يستوجب تفعيل الاتفاق؟
كيف يتم اتخاذ القرار؟
هل الرد تلقائي أم يحتاج إلى قرار سياسي؟
كيف تتم إدارة الأزمات التي تقع خارج الحدود المباشرة للدول الثلاث؟
كلما كانت الإجابات واضحة، كان التحالف أكثر قوة واستدامة. والرهان الأكبر، في رأيي، ليس عسكرياً فقط.
إن أعظم فرصة أمام الدول الثلاث هي أن تجعل الأمن مدخلاً إلى الاقتصاد. فيمكن بناء شراكات ثلاثية في: الطاقة والصناعات الدفاعية والأمن الغذائي والموانئ والنقل والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والفضاء والأقمار الصناعية والتكنولوجيا والاستثمار.. وهنا يمكن أن يتحول الاتفاق من تحالف دفاعي إلى شراكة استراتيجية شاملة.
إن اتفاق مكة للدفاع المشترك ليس مجرد اتفاق جديد يضاف إلى قائمة الاتفاقيات الدولية. فأهميته الحقيقية تكمن في أنه يجمع: الثقل السعودي مع القوة التركية مع القدرة الباكستانية في لحظة تاريخية شديدة الحساسية.
إذاً الدول الثلاث أمام ولادة معادلة أمنية جديدة تمتد من الخليج العربي إلى الأناضول وجنوب آسيا. ومع ذلك، فإن قوة هذا التحالف لن تقاس بعدد الجنود أو الطائرات، وإنما بمدى قدرته على بناء ردع مشترك، واستخبارات مشتركة، وصناعة دفاعية مشتركة، وأمن بحري مشترك، وقدرة سياسية على اتخاذ القرار في الأزمات.
إن العالم يتغير، وموازين القوى تتغير معه. وفي هذا العالم الجديد، لم يعد كافياً أن تمتلك الدولة القوة وحدها؛ بل أصبحت القوة الحقيقية في القدرة على بناء الشراكات التي تجعل القوة أكثر تأثيراً وأكثر قدرة على الردع وحماية المصالح.
ولهذا فإن الرسالة الأبرز التي يمكن قراءتها من اتفاق مكة هي: السعودية لا تبحث عن الحرب، وتركيا لا تبحث عن الحرب، وباكستان لا تبحث عن الحرب؛ لكن الدول الثلاث تقول بوضوح إن السلام الذي لا تحميه قوة رادعة يبقى سلاماً هشاً.
ومن هنا، فإن تحالف مكة قد لا يكون نهاية مرحلة، بل ربما يكون بداية مرحلة جديدة في منظومة الأمن الإقليمي، عنوانها:
الردع.. الشراكة.. والاستقلال الاستراتيجي.