أحمد آدم
في لحظة فارقة من تاريخ الشرق الأوسط، حيث تتصادم فيه مشاريع إعادة رسم الخرائط مع محاولات فرض واقع جديد بالقوة، جاء الإعلان الرسمي عن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان ليحدث زلزالاً جيوستراتيجياً أعاد تشكيل موازين القوى في الإقليم. لم يكن هذا التحالف الثلاثي وليد مصادفة ظرفية، بل جاء كردّ عملي وحاسم لإجهاض مخططات نتنياهو لسيادة المنطقة عبر «محوره السداسي» وإستراتيجية شدّ الأطراف، وفي الوقت نفسه لبناء مظلة أمان سيادية تقي الإقليم تداعيات الحروب الهجينة وإستراتيجية الفكوك الضاغطة. فهل نشهد بداية النهاية لزمن الاستفراد الإقليمي، وما هو موقع الأضلاع الفاعلة الأخرى في هذه المعادلة الجديدة؟
أولاً: اتفاقية مكة للدفاع المشترك
تم الإعلان رسمياً (الجمعة 7 أغسطس) عن توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية، وجمهورية تركيا، وجمهورية باكستان الإسلامية. جاء الإعلان إثر قمة ثلاثية عُقدت في مكة المكرمة جمعت ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.
أبرز بنود ومضمون الاتفاقية
أ - الدفاع الجماعي والردع: ينص البند الأساسي في الاتفاقية على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يُعد هجوماً على الجميع، بهدف تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء خارجي.
ب - طبيعة التحالف: تهدف الاتفاقية إلى بناء شراكة دفاعية طويلة المدى وتطوير كافة أوجه التعاون الأمني، وتبادل الاستخبارات، والتكامل في الصناعات الدفاعية.
جـ - الموقف الرسمي للاتفاقية: أكدت وزارة الخارجية السعودية أن هذا الاتفاق لا يمثل بناء محور عسكري أو تكتل طائفي/ مذهبي، وليس له صلة بمساعٍ نووية أو سباق تسليح، بل يهدف إلى حماية الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. كما أوضح المسؤولون الأتراك أن طبيعة الاتفاقية «دفاعية بحتة» ولا تُلغي أي اتفاقيات سابقة للدول الموقّعة مع أطراف أخرى.
ثانياً : اتفاقية مكة تقطع الطريق على أحلام نتنياهو بزعامة الشرق الأوسط
هذه الاتفاقية قوضت أحلام نتنياهو في زعامة الشرق الأوسط وقطعت الطريق أمام حلفة السداسي وهو ما نوضحه في النقاط التالية:
1 - تحركات سابقة لنتنياهو (قبل أيام قليلة على حرب ايران)
سبق وأدلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتصريحات في يوم 22 فبراير من هذا العام (2026) عن طموحه لتشكيل ما سماه محوراً سداسياً لمواجهة ما وصفه بـالمحاور المتطرفة في المنطقة. وأشار نتنياهو إلى دول مثل الهند، واليونان، وقبرص، بالإضافة إلى دول عربية وأفريقية وآسيوية أخرى (لم يذكر أسماءها صراحة لتجنب الحرج الدبلوماسي).
بعد هذه التصريحات قام رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي بزيارة إلى إسرائيل بدأت في 25 فبراير 2026، ولم يتم الإعلان خلال الزيارة عن حلف عسكري رسمي بكيان قانوني جديد، ولكن جرى التأكيد على تعميق التحالف الإستراتيجي القائم وتوسيع أطره خلال الزيارة، تم التأكيد على دور الهند وإسرائيل ضمن مجموعة 12U2 التي تأسست فعلياً في عام 2021 من (أمريكا، الهند، إسرائيل، والإمارات العربية المتحدة) بهدف تعزيز الاستثمارات المشتركة في 6 مجالات حيوية (الماء، الطاقة، النقل، الفضاء، الصحة، والأمن الغذائي).
يركز هذا التكتل على التكامل الاقتصادي بدلاً من التحالف الدفاعي المباشر، ليكون جسراً يربط بين غرب آسيا وجنوب آسيا وأسفرت الزيارة عن توقيع الطرفان 16 اتفاقية تعاون شملت مجالات الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، وتطوير الأنظمة الدفاعية المشتركة. كما أصبح مودي أول رئيس وزراء هندي يلقي كلمة أمام البرلمان الإسرائيلي (الكنيست).
2 - نتنياهو وتخوم بن جوريون
تصريحات نتنياهو ومباحثاته مع مودى تعيدنا تاريخياً إلى نظرية التخوم وسمّاها البعض شد الأطراف التي وضعها ديفيد بن غوريون في الخمسينيات، على استراتيجية محاصرة الدول العربية المركزية عبر بناء تحالفات مع القوى والأقليات غير العربية الموجودة على أطراف أو تخوم العالم العربي. وكانت النظرية آنذاك تهدف إلى:
* بناء تحالفات مع دول غير عربية (مثل إيران «عهد الشاه»، تركيا، إثيوبيا) لفك الطوق العربي المفروض على إسرائيل.
* استنزاف القوى العربية الكبرى بصراعات جانبية مع جيرانها أو مع أقليات داخلية، مما يشتت طاقاتها بعيداً عن الصراع مع إسرائيل.
* تفعيل دور الأقليات العرقية والدينية (مثل الأكراد في العراق، أو حركات التمرد في جنوب السودان سابقاً) لتشكيل كانتونات أو دويلات صغيرة تضعف الدولة المركزية. مثلت ايران وتركيا آنذاك الركن الأساسي للنظرية في الخمسينيات لتطويق الدول العربية من الشمال والشرق . مع دعم الحركات الانفصالية في الجنوب لإشغال الخرطوم وإضعاف العمق الاستراتيجي لمصر. وبمرور الوقت تطورت الاستراتيجية من شد الأطراف (استنزافها) إلى بتر الأطراف، عبر تشجيع الانفصال الفعلي كما حدث عند انفصال جنوب السودان.
3 - الإسراع بتشكيل المحور السداسي
هذا الإسراع بين تصريح نتنياهو عن رغبته في تشكيل محور سداسي وزيارة مودي يعكس حالة الاستعجال الاستراتيجي فنتنياهو يريد حسم الملفات قبل أن يستفيق المحور (السعودي - التركي - الباكستاني) ويرتب أوراقه لمواجهة ضغوط إدارة ترامب. نتنياهو لا يريد فقط حماية إسرائيل، بل يريد أن يجعل من هذا «المحور السداسي» المركز الجديد للقرار في المنطقة، بحيث تضطر الدول الكبرى (مصر) للتعامل مع «واقع مفروض» تقوده تكنولوجيا إسرائيل، وقوة الهند البشرية، والدعم اللوجستي لليونان وقبرص.
إن «المحور السداسي» الذي يسعى لتأسيسه ليس مجرد تحالف اقتصادي، بل هو «كماشة جيوسياسية» مصممة بدقة لضرب أي مشروع نهضوي عربي - إسلامي مستقل قبل ولادته. الهدف خلق «واقع بديل» يحاصر القوى الكبرى بالمنطقة فهناك تخوف من تشكل نواة صلبة تجمع (مصر، السعودية، تركيا، وباكستان). وهذا الثلاثي إذا اتحد سيمتلك (العمق التاريخي، الثقل المالي، القوة العسكرية والتكنولوجية، والكتلة البشرية الضخمة). لذا، كان لزاماً على نتنياهو التحرك خلال «3 أيام» فقط بين إعلان حلفه السداسي قيد التشكيل (ليكون «حائط صد» يمنع تشكل هذا المارد الإقليمي) وبين لقائه برئيس وزراء الهند.
4 - تحديث نظرية شدّ الأطراف (نسخة 2026)
إن إستراتيجية (نتنياهو - مودي) اليوم لا تعتمد على السلاح والجواسيس فحسب، بل على سلاسل الإمداد، والممرات الاقتصادية، والأمن السيبراني. والممر «الهندي - الشرق أوسطي - الأوروبي» ليس سوى النسخة الحديثة من طريق شدّ الأطراف؛ حيث يهدف لربط المصالح الاقتصادية للدول العربية بمحاور تسيطر عليها تكنولوجيا إسرائيل وقوة الهند البشرية، ليتحول البتر هنا من بترٍ للأرض إلى بترٍ للقرار السيادي المستقل. يدرك نتنياهو أن أي تقارب حقيقي بين (الرياض - أنقرة - إسلام آباد) يعني نهاية الهيمنة المطلقة، لذا سارع لإنشاء أطواق موازية تعمل على:
أ - خنق تركيا: عبر اليونان وقبرص لعزلها في شرق المتوسط وتحويلها من «لاعب طاقة» إلى دولة محاصرة بحرياً، لمنع أي تكامل مستقبلي في ملف الغاز.
ب - تطويق باكستان: بالتحالف مع الهند لوضع القوة النووية الإسلامية بين مطرقة الهند وسندان الضغوط الدولية، وإخراج «النووي الباكستاني» من معادلة التوازن الإقليمي.
ج - ضرب الانسجام الإقليمي: اللعب على التباينات التكتيكية لتشتيت الرؤية الاستراتيجية الموحدة بين العواصم الكبرى.
من هنا، جاءت «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» لتقطع هذه الأطواق كلياً، وتُعلن فشل محاولة محاصرة المارد الإقليمي قبل ولادته.
خلاصة القول: إن «اتفاقية مكة» هي إعلان رسمي عن إنهاء زمن «الاستفراد الإقليمي» سواء من قبل الطموحات الإسرائيلية للتسيد، أو من قبل استراتيجية الوكلاء والحروب الهجينة. لقد أدركت الدول الثلاث أن الحفاظ على استقرار أراضيها واقتصاداتها يتطلب بناء «مظلة أمان سيادية ومستقلة» ترسم خطوطاً حمراء صريحة لكل من يسعى لإشعال الإقليم.