«الجزيرة» - وائل العتيبي:
لم يكن الطريق إلى الفن معبّدًا في تجربة محمد الشايب؛ فقد بدأ من الهندسة، لكنه ظل يحمل منذ طفولته شغفًا بالمسرح والكاميرا، حتى وجد في الجامعة المساحة التي سمحت له باختبار هذا الشغف بصورة أكثر جدية. ومن هناك، انتقل تدريجيًا من التجارب المسرحية إلى الدراما والسينما والإعلانات، ليبني لنفسه حضورًا يتشكل بالتجربة أكثر مما يتشكل بالصدفة.
الشايب، الذي درس هندسة النظم في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، يرى أن الممثل لا يصنعه الظهور وحده، بل تصنعه الممارسة والتعلّم وتراكم التجارب. لذلك لم يتعامل مع الإعلانات باعتبارها مجرد حضور أمام الكاميرا، ولا مع المسرح باعتباره محطة عابرة، بل وجد في كل تجربة فرصة لاكتشاف جانب جديد من أدواته.
وفي حديثه، لا يخفي الشايب طموحه في الوصول إلى النجومية، لكنه يضعها في سياق مختلف؛ فهو يرى أن كثيرًا من المواهب لا ينقصها الاستعداد بقدر ما ينقصها من يمنحها الفرصة. ويستعيد تجربة مسلسل «رشاش»، التي كان يمكن أن تمثل نقطة تحوّل في مسيرته، قبل أن تحول جائحة كورونا دون استكمالها.
وبين الهندسة والفن، والإعلانات والمسرح، والبحث عن الدور الذي يشبهه والرغبة في خوض الشخصيات الصعبة، يتحدث محمد الشايب عن تجربته وطموحه، وما ينتظره من المشهد الفني السعودي.
التمثيل لم يكن صدفة.. بل شغفًا نشأ معي منذ الطفولة
* من هو محمد الشايب بعيدًا عن الصورة التي يعرفك بها الجمهور من خلال الإعلانات ومواقع التواصل؟
- محمد الشايب شاب طموح وعفوي ونشيط، أحب التميز والإتقان في كل ما أقدمه. درست هندسة النظم في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وعملت في الهندسة والتسويق نحو عامين ونصف، قبل أن أنتقل إلى إدارة وتنفيذ المشاريع الفنية والسياحية، من خلال العمل مع عدد من الجهات الحكومية، منها وزارتا السياحة والثقافة، وهيئة الترفيه، والهيئة الملكية لمحافظة العلا.
* كيف بدأت علاقتك بالتمثيل والظهور أمام الكاميرا؟ وهل كانت البداية مخططة أم جاءت بالصدفة؟
- بدأت علاقتي بالتمثيل منذ الطفولة، من خلال الأنشطة المدرسية والمراكز الصيفية، حيث شاركت في العروض المسرحية والاسكتشات المصورة. ومنذ ذلك الوقت أحببت الوقوف على المسرح والظهور أمام الكاميرا، لذلك لم يكن التمثيل صدفة عابرة، بل شغفًا نشأ معي مبكرًا.
الجامعة كشفت لي أن لدي رغبة حقيقية في التمثيل
* متى شعرت للمرة الأولى أن لديك قابلية حقيقية لأن تكون ممثلًا؟
- خلال المرحلة الجامعية اقتربت أكثر من عالم التمثيل، فالتحقت بنادي المسرح في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وتعرّفت إلى مواهب وتجارب فنية مختلفة. كما خالطت المهتمين بالمجال في جمعية الثقافة والفنون بالدمام، وشاهدت العديد من المسرحيات والأفلام. كل ذلك جعلني أكتشف أن لدي رغبة حقيقية في التمثيل، ودفعني إلى التعامل معه بجدية واحتراف.
* هل درست التمثيل أم تشكلت خبرتك من خلال الممارسة؟
- بدأت بتجارب وممارسات بسيطة، ثم حرصت على تطوير نفسي من خلال ورش ودورات متخصصة في إعداد الممثل، وتقمّص الشخصيات، وأدوات الأداء. وأؤمن بأن الموهبة وحدها لا تكفي؛ فصقلها يحتاج إلى التعلّم المستمر والتجربة والعمل.
تعلمت من الأشخاص.. كما تعلمت من مشاهدة الممثلين
* من من الأشخاص أو التجارب التي كان لها أثر في تشكيل شخصيتك الفنية؟
- كان لأصدقاء ومدربين ومخرجين أثر مهم في بداياتي، سواء بالتشجيع أو التوجيه أو منحي الثقة. وأخص بالذكر الأستاذ صالح إمام من جمعية الثقافة والفنون في جدة، والممثل القدير إبراهيم الحساوي في الدمام.
كما كان لمشاهدة التجارب الفنية المحلية والعالمية أثر كبير في تكوين ذائقتي؛ فالممثل يتعلم أيضًا من المشاهدة والتأمل وتحليل الشخصيات والأداء.
رصيدي الفني تشكّل بين الدراما والسينما والمسرح
* ما أهم الأعمال التي شاركت فيها؟
- في الدراما التلفزيونية، شاركت في مسلسلات «دون»، و«حالتنا حالة»، و«فندق الأقدار»، و«أوريم»، و«بتوقيت مكة» مع الفنانة القديرة حياة الفهد.
وفي السينما، شاركت في أفلام «جوهرة إبليس»، و«مَسّ»، و«النعمة المهجورة»، و«فاكس»، و«من وراء الباب»، و«جُرم».
أما في المسرح، فمن أبرز مشاركاتي «إمبراطورية منخوليا» في مهرجان الرياض للمسرح، و«الملكة شُقيلة» في العلا، و«درب الشعراء» عن قصة جميل بثينة، و«ابن بطوطة»، و«شجاع» الغنائية الموسيقية.
* وما العمل الأكثر تأثيرًا في مسيرتك؟
- مسلسل «دون» كان أول مسلسل أصوره بشكل رسمي، ولذلك يحتل مكانة خاصة لدي. كانت تجربة مهمة عرّفتني إلى طبيعة تصوير المسلسلات، والالتزام بالمواعيد والجداول، والعمل ضمن فريق محترف من الممثلين والفنيين.
ديمسي وقاسم أظهرتا جوانب جديدة من قدراتي
* هل هناك شخصية شعرت أنها كشفت جانبًا جديدًا من قدراتك؟
- نعم، شخصية «ديمسي» في مسرحية «الملكة شُقيلة»، وهي شخصية متمردة ومحاربة، يقودها كبرياؤها إلى الهلاك. وكذلك شخصية «قاسم» في «إمبراطورية منخوليا»، وكانت تجربة مختلفة لشخصية مضطربة نفسيًا. كلتا الشخصيتين أظهرتا جوانب جديدة من قدراتي في الأداء.
* هل تفضل الدور الذي يشبهك أم الدور الذي يخرجك من منطقة الراحة؟
- أميل إلى الأدوار التي تشبهني، لكنني أحب التحدي، ولذلك أرى أن الأدوار التي تخرجني من منطقة الراحة فرصة لاختبار نفسي وتطوير أدواتي. وهذا ما شعرت به تحديدًا مع شخصيتي «ديمسي» و«قاسم».
رشاش كان يمكن أن يكون نقطة انطلاقتي
* هل لديك دور تتمنى أن يكون نقطة الانطلاقة الحقيقية لك؟
- بالتأكيد، كل ممثل يتمنى فرصة تكون نقطة انطلاق حقيقية. وقد أتيحت لي هذه الفرصة في مسلسل «رشاش»، بعدما تم اختياري ضمن طاقم التمثيل الرئيسي، وبدأنا الاجتماعات وقراءة الطاولة والتدريبات الحركية في أبوظبي، لكن جائحة كورونا حالت دون استكمال العمل وبدء التصوير.
وأنا دائمًا أنصح المبتدئين بألا يرفضوا الفرص بسهولة، وأن ينظروا إلى كل عمل باعتباره تجربة للتعلّم وصقل الموهبة وبناء العلاقات، بعيدًا عن المقابل المادي وحده.
أما بالنسبة لي اليوم، فأهم ما أبحث عنه هو القصة والسيناريو، ثم المخرج وخبرته.
الإعلانات فتحت لي أبوابًا.. لكنها ليست بوابة مباشرة إلى التمثيل
* ما الإعلان الذي قدمك بالشكل الأقرب إلى شخصيتك؟
- قدمت عددًا من الإعلانات التي كان لها صدى واسع، من بينها إعلانات «شركة توصيل أجرة» و«أحد البنوك»، وقدمتها بحب لأنها كانت قريبة من شخصيتي.
والعمل كموديل إعلانات يفتح أبوابًا للتعرّف إلى مخرجين ومنتجين وممثلين ومصورين من مختلف الجهات، ويساعد على بناء علاقات قد تقود إلى فرص تلفزيونية وسينمائية.
لكنني لا أراه بوابة مباشرة إلى التمثيل، بقدر ما أراه مساحة تساعد على إظهار الموهبة وبناء العلاقات.
ما ينقصني هو الفرصة الكبيرة
* ما الذي ينقص محمد الشايب اليوم حتى ينتقل من الحضور إلى النجومية؟
- من وجهة نظري، ما ينقصني، وينقص كثيرًا من زملائي، ليس الموهبة أو الرغبة في العمل، وإنما الفرصة الحقيقية، والجهة أو الشخص الذي يؤمن بقدراتنا ويمنحنا المساحة التي نستحقها لنثبت أنفسنا ونصل إلى الجمهور. وأحيانًا نشاهد أسماء تتكرر في عدد كبير من الأعمال، في الوقت الذي لا تزال فيه مواهب أخرى تنتظر فرصتها الأولى، رغم ما تملكه من إمكانات وقدرة على تقديم أدوار مختلفة.
كما أن انتشار الشخص على منصات التواصل الاجتماعي، مثل «تيك توك» و«سناب شات»، أصبح في بعض الأحيان عاملًا مؤثرًا في حصوله على الفرص، حتى وإن لم تكن لديه خبرة حقيقية في التمثيل؛ فالجماهيرية والمتابعون قد يفتحون أبوابًا كثيرة، ويمنحون أصحابها فرصًا جاهزة، بينما يظل الممثل الذي اختار أن يبني نفسه من خلال التدريب والممارسة والخبرة في انتظار فرصة تثبت موهبته.
ولا يمكن إنكار أن العلاقات داخل الوسط الفني تؤدي دورًا في الوصول إلى هذه الفرص، ولذلك ما زلت أحرص على بناء علاقاتي المهنية وتوسيع دائرة معارفي، مؤمنًا بأن الفرصة المناسبة قد تأتي في اللحظة المناسبة، وأن الفرصة الذهبية لا تكفي وحدها؛ بل تحتاج إلى موهبة مستعدة لاقتناصها وإثبات جدارتها.
يكفيني أن يقول الجمهور: ممثل شاطر
* ما الذي تريد أن يقوله الجمهور عن محمد الشايب بعد عشر سنوات؟
- يكفيني أن يقولوا: «ممثل شاطر». لأن هذه الكلمة، في نظري، تختصر الكثير من المعاني: فنان، مقنع، متمكن ومميز.
وأتمنى أن يعرف الجمهور أن محمد الشايب لم يكن وليد اليوم أو الصدفة، بل نتاج سنوات من العمل والتجارب والخبرات الفنية المتنوعة، وأن هذه الرحلة كانت تستحق أن تُرى وتُقدّر.