د. يحيى جابر
نظرية الاحتمال المنطقي للإقناع إحدى النظريات الهامة لنظريات التأثير في الإعلام وسأتحدث عنها في هذا المقال، فالإنسان يتعرض يومياً لعشرات، وربما مئات الرسائل الإقناعية؛ من نشرات الأخبار، والبرامج الحوارية، والإعلانات، ومنصات التواصل الاجتماعي، والحملات الحكومية، وحتى المحادثات اليومية، والأفلام والمسلسلات ، والسوشل ميديا، وغيرها، ومع ذلك، فإن الرسالة الواحدة قد تدفع شخصًا إلى تغيير موقفه بالكامل حال أقتنع بها، بينما لا تترك أي أثر لدى شخص آخر، رغم أنهما شاهدا المحتوى نفسه وفي الوقت نفسه، هذا التفاوت لم يعد يُفسَّر بالحدس أو الانطباعات الشخصية، بل أصبح موضوعًا للدراسة العلمية في علم النفس الاجتماعي وعلوم الاتصال، وكان من أبرز نتائجه ظهور نظرية الاحتمال المنطقي للإقناع التي قدمها العالمان ريتشارد إي، بيتي وجون تي، كاتشيوبو، ونشرت بصورتها الكاملة عام 1986 في كتاب «الاتصال والإقناع ـ المساران المركزي والطرفي لتغيير الاتجاهات»، لتصبح واحدة من أكثر النظريات تأثيرًا في الإعلام والإعلان والعلاقات العامة والاتصال المؤسسي، «المصدرـ ريتشارد إي. بيتي، جون تي، كاتشيوبو، 1986»، وتقوم النظرية على فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في نتائجها، وهي أن الناس لا يعالجون جميع الرسائل بالطريقة نفسها، فبعضهم يقرأ الرسالة بعقل ناقد، ويفحص الأدلة والمنطق، ويقارن المعلومات بخبراته السابقة، بينما يكتفي آخرون بالمؤشرات السطحية، مثل شهرة المتحدث، أو جاذبية الصورة، أو قوة الموسيقى، أو كثرة تكرار الرسالة، ومن هنا قسمت النظرية عملية الإقناع إلى مسارين رئيسين هما، المسار المركزي والمسار الطرفي‘ ويُعد المسار المركزي أعلى مستويات الإقناع وأكثرها تأثيرًا واستقرارًا، لأنه يعتمد على التفكير العميق والتحليل المنطقي، فعندما يشعر الإنسان أن القضية المطروحة تمسه بصورة مباشرة، كقرار يتعلق بصحته أو مستقبله أو ماله، فإنه يتوقف ليفكر، ويقارن، ويبحث عن الأدلة، ولا يكتفي بالشعارات أو الانطباعات، وفي هذه الحالة تصبح جودة الحجة، ودقة البيانات، ومصداقية المصدر، وتسلسل الأفكار، هي العناصر الحاسمة في بناء القناعة، ولذلك تشير الأدبيات العلمية إلى أن الاتجاهات التي تتكون عبر هذا المسار تكون أكثر ثباتًا، وأقل قابلية للتغيير، لأنها بُنيت على اقتناع معرفي وليس على انفعال مؤقت، «المصدرـ ريتشارد إي، بيتي، جون تي، كاتشيوبو، 198».
أما المسار الطرفي فيعمل بطريقة مختلفة تمامًا؛ إذ يعتمد على المؤشرات السريعة التي لا تتطلب جهدًا ذهنيًا كبيرًا، فإذا كان الموضوع لا يهم المتلقي كثيرًا، أو لم يكن لديه الوقت أو المعرفة الكافية لتحليل المعلومات، فإنه يلجأ إلى اختصارات ذهنية تساعده على اتخاذ موقف سريع، فقد يثق بالرسالة لأن مقدمها مشهور، أو لأن الموسيقى مؤثرة، أو لأن الإعلان مصمم بصورة جذابة، أو لأن الفكرة تكررت أمامه مرات عديدة، وقد أثبت عالم النفس روبرت زايونتس أن التعرض المتكرر للفكرة يزيد من شعور الألفة تجاهها، وهو ما يعرف بـ«تأثير التعرض المتكرر»، حيث يميل الإنسان إلى تفضيل ما يراه بصورة متكررة حتى وإن لم يحلل مضمونه تحليلًا عميقًا، «المصدرـ روبرت زايونتس، «آثار التعرض المجرد»، مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي، 1968».
وتبرز أهمية هذه النظرية بصورة واضحة في العمل الإعلامي، فليس كل جمهور يستجيب بالطريقة نفسها، فالمشاهد المتخصص في الاقتصاد، مثلًا، يتوقع من التقرير الاقتصادي أرقامًا دقيقة، ورسومًا بيانية، وتحليلات خبراء، ومقارنات زمنية، بينما قد يكتفي المشاهد العام بصورة معبرة، وقصة إنسانية، ورسالة مختصرة توضح الفكرة الأساسية، ولهذا فإن الإعلامي المحترف لا يسأل فقط، ماذا سأقول؟ بل يسأل قبل ذلك، كيف سيفكر جمهوري؟ وما الطريقة التي سيعالج بها هذه الرسالة؟، ومن التطبيقات العملية للنظرية في الإعلام التلفزيوني أن البرامج الوثائقية تعتمد غالبًا على المسار المركزي؛ فهي تقدم الأدلة، والشهادات، والوثائق، والإحصاءات، وتسلسل الأحداث، لأنها تستهدف جمهورًا مستعدًا للتفكير والتحليل، أما الإعلانات التجارية، فتستثمر كثيرًا في عناصر المسار الطرفي، مثل الموسيقى، والألوان، والمشاهير، والإيقاع السريع، لأنها تدرك أن كثيرًا من قرارات الشراء تُتخذ في وقت قصير وتحت تأثير الانطباع الأول، ولا يعني ذلك أن أحد المسارين أفضل دائمًا من الآخر، بل إن الرسائل الأكثر نجاحًا هي التي تجمع بينهما بذكاء، فالبرنامج التوعوي الناجح قد يبدأ بقصة إنسانية مؤثرة تجذب انتباه المشاهد، ثم ينتقل إلى عرض الإحصاءات الرسمية، ويستضيف خبيرًا يفسرها، ويختتم برسالة عملية واضحة، وبهذه الطريقة يخاطب المشاعر أولًا، ثم يدعمها بالأدلة العقلية، وهو الأسلوب الذي أثبتت البحوث أنه أكثر قدرة على إحداث تغيير مستدام في الاتجاهات والسلوك، «المصدرـ ريتشارد إي، بيتي، جون تي، كاتشيوبو، 1986».
وتوضح النظرية أيضًا أن نجاح الرسالة لا يعتمد على المحتوى وحده، بل يتأثر بعدة عوامل، منها أهمية الموضوع بالنسبة للجمهور، ومستوى التعليم والخبرة، والوقت المتاح للتفكير، ومدى وضوح الرسالة، وغياب المشتتات أثناء تلقيها، فإذا كان الجمهور مرهقًا أو منشغلًا أو غير مهتم، فإن احتمالية انتقاله إلى المعالجة العميقة تنخفض، ويصبح أكثر تأثرًا بالمؤشرات السطحية، وفي عصر الإعلام الرقمي، ازدادت أهمية هذه النظرية بصورة غير مسبوقة، فالمنصات الرقمية تعتمد في كثير من الأحيان على جذب الانتباه خلال ثوانٍ معدودة، وهو ما يدفع كثيرًا من المستخدمين إلى اتخاذ مواقف سريعة بناءً على عنوان أو صورة أو مقطع قصير، دون قراءة التفاصيل أو التحقق من المصادر، وهذا يفسر سرعة انتشار بعض الشائعات أو المعلومات المضللة، عندما تُصاغ بطريقة جذابة وتُكرر بكثافة، حتى وإن كانت تفتقر إلى الأدلة، ولذلك أصبحت تنمية التفكير النقدي والتحقق من المصادر من أهم وسائل حماية الجمهور من الإقناع القائم على المؤثرات السطحية، ومن جانب آخر، تستفيد الجهات الحكومية والمؤسسات العامة من مبادئ هذه النظرية في تصميم حملات التوعية، فعند الحديث عن السلامة المرورية، أو الأمن الغذائي، أو ترشيد استهلاك المياه، أو مكافحة الشائعات، لا يكفي عرض الأرقام وحدها، كما لا يكفي الاعتماد على المشاهد المؤثرة فقط، بل ينبغي الجمع بين القصة الواقعية، والإحصائية الموثقة، ورأي المختص، والرسالة الواضحة، حتى تتحقق الاستجابة المطلوبة لدى مختلف شرائح المجتمع، كما تؤكد النظرية أن المصداقية تبقى العامل الحاسم في نجاح أي رسالة إعلامية، فإذا فقد الجمهور ثقته في الوسيلة أو في مقدم الرسالة، فإن قوة الحجج وحدها قد لا تكون كافية لإحداث التأثير المطلوب، ولهذا تحرص المؤسسات الإعلامية المهنية على الفصل بين الخبر والرأي، وتوثيق المعلومات، وتصحيح الأخطاء، لأن الثقة تُبنى عبر الزمن، لكنها قد تُفقد بسبب رسالة واحدة مضللة، لقد غيرت نظرية الاحتمال المنطقي للإقناع الطريقة التي ينظر بها الباحثون والممارسون إلى الاتصال والإعلام، فلم يعد الإقناع مجرد مهارة لغوية أو قدرة على الخطابة، بل أصبح عملية علمية تتداخل فيها النفس البشرية مع المعرفة، والعاطفة مع المنطق، والصورة مع الكلمة، وكلما أدرك الإعلامي طبيعة جمهوره، وفهم كيف يعالج الرسائل، واستطاع الموازنة بين الأدلة العقلية والمؤثرات اإنسانية، ازدادت فرص نجاح رسالته في بناء وعي حقيقي، لا مجرد انطباع عابر، ولهذا لا تزال هذه النظرية، بعد مرور عقود على ظهورها، من أكثر النماذج العلمية حضورًا في الدراسات الإعلامية، وأحد أهم الأدوات التي يستند إليها صناع المحتوى، والمؤسسات الإعلامية، والباحثون في فهم آليات التأثير وتكوين الاتجاهات في المجتمعات الحديثة، لا تنظر نظرية الاحتمال المنطقي للإقناع إلى الإنسان بوصفه متلقيًا سلبيًا يستجيب لأي رسالة إعلامية، وإنما تنطلق من افتراض جوهري مفاده أن العقل البشري يعمل وفق مبدأ الاقتصاد المعرفي؛ أي أنه يسعى إلى تحقيق أكبر قدر من الفهم بأقل جهد ذهني ممكن، وقد أشار عالم النفس الأمريكي هربرت سايمون إلى أن الإنسان لا يمتلك قدرة غير محدودة على معالجة المعلومات، ولذلك فإنه يلجأ إلى اختصارات ذهنية تساعده على اتخاذ القرارات بسرعة عندما تكون المعلومات كثيرة أو الوقت محدودًا. ويُعد هذا المفهوم من المرتكزات الفكرية التي انسجمت معها نظرية الاحتمال المنطقي للإقناع، إذ تفسر سبب انتقال الأفراد بين المعالجة العميقة والمعالجة السطحية للرسائل الإعلامية، «المصدرـ هربرت سايمون، نماذج الإنسان، 1957، وأبحاثه في العقلانية المحدودة».
وتؤكد بحوث علم الأعصاب المعرفي أن الدماغ لا يمنح جميع الرسائل الدرجة نفسها من الانتباه، بل يوزع موارده الإدراكية وفق أهمية الموضوع بالنسبة للفرد، وخبراته السابقة، وحالته الانفعالية، والوقت المتاح لديه، ولذلك فإن الرسائل التي ترتبط مباشرة بمصالح الإنسان، أو صحته، أو أمنه، أو مستقبله، تنشط مستويات أعلى من التحليل والتفكير، بينما تُعالج الرسائل الأقل أهمية معالجة أسرع وأقل عمقًا، اعتمادًا على مؤشرات خارجية مثل شهرة المتحدث أو جاذبية الصورة أو كثرة التكرار، «المصدرـ دانيال كانيمان، التفكير، السريع والبطيء، 2011».
ومن هذا المنطلق، لا تفسر النظرية الإقناع على أنه تغيير في الرأي فقط، بل تراه عملية إعادة بناء معرفي، يعيد فيها الإنسان تنظيم معلوماته السابقة في ضوء الأدلة الجديدة، فإذا كانت الرسالة قوية، ومنطقية، ومدعومة ببراهين موثوقة، فإنها لا تضيف معلومة جديدة فحسب، بل قد تعيد تشكيل القناعات والاتجاهات والسلوك، أما إذا اعتمدت على المؤثرات الشكلية وحدها، فإن أثرها غالبًا يكون مؤقتًا، ويزول عند التعرض لرسالة منافسة أكثر جاذبية أو أكثر مصداقية، ولهذا أصبحت هذه النظرية من أكثر النماذج استخدامًا في الاتصال الحكومي، وإدارة الأزمات، والإعلام الصحي، والحملات الانتخابية، والتسويق الاجتماعي، لأنها تساعد على اختيار نوع الرسالة المناسب لكل فئة من الجمهور، فالجمهور المتخصص يحتاج إلى بيانات وتحليلات وأدلة علمية، بينما يحتاج الجمهور العام إلى تبسيط الفكرة، وربطها بحياته اليومية، مع المحافظة على المصداقية والدقة، وتكشف التطبيقات الحديثة للنظرية أن أخطر أشكال التضليل الإعلامي لا تعتمد دائمًا على الكذب الصريح، بل قد تعتمد على توجيه الجمهور نحو المسار الطرفي بصورة مقصودة، من خلال إغراقه بالمؤثرات البصرية، والعناوين المثيرة، والإيقاع السريع، والتكرار المكثف، حتى يتراجع التفكير النقدي لصالح الاستجابة الانفعالية، ولهذا أصبحت التربية الإعلامية والوعي الرقمي من أهم أدوات حماية المجتمعات، لأنها تدرب الأفراد على الانتقال من الاستجابة السريعة إلى التحليل الواعي، ومن قبول الرسائل لمجرد جاذبيتها إلى تقييمها بناءً على الأدلة والمنطق والمصدر الموثوق، إن القيمة الحقيقية لنظرية الاحتمال المنطقي للإقناع لا تكمن في تفسير نجاح الرسائل الإعلامية فحسب، بل في كشفها للطريقة التي يعمل بها العقل البشري عند مواجهة سيل المعلومات اليومي، فهي تضع الإعلامي أمام مسؤولية مهنية وأخلاقية، إذ يصبح نجاح الرسالة مرتبطًا ليس فقط بقدرتها على جذب الانتباه، وإنما بقدرتها على احترام عقل المتلقي، وتقديم المعرفة بصورة تمكنه من اتخاذ قرار واعٍ ومستنير، وهو ما يمثل جوهر الإعلام المسؤول في العصر الرقمي، هذه الإضافة ترتقي بالمقال من مستوى «شرح نظرية» إلى مستوى «تحليل علمي»، وهو الأسلوب المتبع في المقالات المنشورة في المجلات المتخصصة والكتب الأكاديمية، ولعل أكثر ما يميز نظرية الاحتمال المنطقي للإقناع أنها لا تبقى حبيسة القاعات الجامعية أو اكتب الأكاديمية، بل يمكن ملاحظتها يوميًا في نشرات الأخبار، والبرامج الحوارية، والإعلانات التجارية، والحملات التوعوية، وحتى في خطابات المسؤولين، فالمتلقي لا يتفاعل مع جميع الرسائل بالطريقة نفسها، وإنما يتغير أسلوب معالجته للمعلومات بحسب أهمية القضية بالنسبة له، ودرجة ثقته بالمصدر، ومستوى معرفته، وحالته النفسية أثناء تلقي الرسالة، فعلى سبيل المثال، عندما تطلق جهة حكومية حملة للتوعية بترشيد استهلاك المياه، فإنها لا تكتفي بعرض أرقام الاستهلاك، بل تبدأ غالبًا بمشهد يصور أثر هدر المياه على المستقبل، أو تعرض قصة مزارع نجح في تقليل الاستهلاك باستخدام وسائل الري الحديثة، ثم تنتقل إلى إحصاءات رسمية، وتستضيف خبيرًا يشرح الحلول الممكنة، وتختتم برسالة واضحة تحث الجمهور على تغيير السلوك، في هذا النموذج، تبدأ الرسالة باستثارة المشاعر لجذب الانتباه، ثم تنتقل إلى الأدلة والبراهين لإقناع العقل، وهو توظيف متكامل للمسارين المركزي والطرفي في آن واحد، وفي التغطيات الإخبارية للكوارث الطبيعية، يظهر المسار المركزي عندما تعرض القناة بيانات الجهات الرسمية، والخرائط، وتحليلات المختصين، وإرشادات السلامة، لأن الجمهور يبحث عن معلومات دقيقة تساعده على اتخاذ قرار صحيح، وفي المقابل، قد يظهر المسار الطرفي عندما ينجذب بعض المشاهدين إلى طريقة تقديم المذيع، أو جودة الصور الجوية، أو سرعة التغطية، فيكوّنون انطباعًا إيجابيًا عن الوسيلة الإعلامية قبل تقييم مضمون الرسالة، أما في الإعلانات التجارية، فتبرز النظرية بصورة أكثر وضوحًا، فعند تسويق سيارة جديدة، قد يعتمد الإعلان على موسيقى مؤثرة، وصور جذابة، ومناظر طبيعية، وشخصية مشهورة تقود السيارة، وهي عناصر تستهدف المسار الطرفي، لكنها لا تكون كافية لإقناع المشتري الذي ينوي شراء السيارة بالفعل؛ إذ ينتقل حينها إلى المسار المركزي، فيبدأ بالبحث عن استهلاك الوقود، ومعايير السلامة، وسعر الصيانة، وقيمة إعادة البيع، وتجارب المستخدمين، قبل اتخاذ قرار الشراء، وهذا يفسر لماذا ينجح الإعلان في جذب الانتباه، لكنه لا يضمن وحده إتمام عملية الشراء، وتظهر النظرية كذلك في الحملات الصحية، فخلال حملات التوعية بالأمراض المزمنة، قد تبدأ الرسالة بقصة مريض استعاد حياته بعد الالتزام بالعلاج، ثم تعرض إحصاءات عن انتشار المرض، وتستضيف طبيبًا مختصًا يشرح عوامل الخطورة وطرق الوقاية، هذا التدرليس عشوائيًا، بل يعكس فهمًا علميًا لكيفية انتقال المتلقي من التأثر العاطفي إلى الاقتناع العقلي، ومن التطبيقات اللافتة أيضًا برامج مكافحة الشائعات، فعندما تنتشر معلومة مضللة، فإن مجرد نفيها قد لا يكون كافيًا، لأن بعض المتلقين كوّنوا انطباعاتهم عبر المسار الطرفي نتيجة تكرار الرسالة أو تداولها الواسع. ولهذا تعتمد المؤسسات الإعلامية الاحترافية على تقديم الأدلة والوثائق والتصريحات الرسمية، مع شرح آلية انتشار الشائعة وآثارها، حتى تُعيد الجمهور إلى المسار المركزي القائم على التفكير والتحليل بدلاً من الانفعال والتسرع، وتكشف التجارب الإعلامية أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تعتمد على الإثارة المستمرة، بل تلك التي تحقق توازنًا بين جذب الانتباه والمحافظة على المصداقية. فالإثارة قد تدفع المشاهد إلى متابعة التقرير، لكن الدليل العلمي هو الذي يجعله يقتنع، والمصداقية هي التي تدفعه إلى العودة إلى الوسيلة الإعلامية مرة أخرى. ولهذا يحرص الإعلاميون المحترفون على أن تكون كل صورة، وكل رقم، وكل شهادة، وكل عنوان، جزءًا من بناء إقناعي متكامل يخاطب العقل دون أن يهمل المشاعر، ويستند إلى الحقائق دون أن يفقد عنصر التشويق، ومن هنا يتضح أن نظرية الاحتمال المنطقي للإقناع ليست مجرد إطار نظري يفسر كيفية استقبال الرسائل الإعلامية، بل هي دليل عملي لصناع المحتوى والإعلاميين، يساعدهم على اختيار الأسلوب المناسب لكل جمهور، وتصميم رسائل تحقق التأثير الإيجابي، وتحافظ في الوقت نفسه على أخلاقيات المهنة، واحترام عقل المتلقي، وتعزيز ثقافة التحقق والتفكير النقدي، وهي قيم أصبحت اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى في ظل التدفق الهائل للمعلومات وتزايد التنافس على جذب انتباه الجمهور.
أخيرا
الإعلام كالمحيطات مجتمعة واسعة عميق ومؤثر، وقوة ضاربة أقوى تأثير من السلاح النووي، وله قوة لايصدقها العقل، وهو علم لايتقنه سوى الأقوياء الذين يحصنون أنفسهم ومجتمعاتهم ومصالحهم، ويقرؤون الحاضر والمستقبل، فالأعلام متصل بالعقول وتوجيه تلك العقول البشرية الكبيرة.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام