عبدالمحسن بن علي المطلق
تلفى.. بين من حولك هم كأطناب تعضد تماسكك -في دنياك-، من الطوارق، ولهذا فمتى مضى أحدهم إلا وراعك ذلك، لكأنهم (بعد الله) بمقام أمانٍ.. كما في الفقيد (أبو رميان).
والذي هو من بين من ولافناهم وساكناهم! وكم يروعك من هبوب أدنى ريحٍ فتأخذ (معها) غطاء كنّا نتفيأ بهم جزءا كبيرا من تقبّلنا لمتقلّب الحياة.
فالأخذ بهم هو حيطة.. أسباب دينناحثّ عليها، مغبة أن يمتشج توكّلنا على ربنا بتواكل!
لكن ما العمل حين يتسرّب الداء الذي ليس له دواء من بين الأصابع و(على حين غرّة)!
فـ.. يوم مات لأحدهم غلام، مضى صاحب إليه معزّيا، فغاظه زيادة حزنه فقال: (لا أعرف لجزعك وجهاً، إلا إذا كان الإنسان عندك كالزرع حصاده في وقت معين)!
على أنك من لحظة سماعك وقع (الفقد) تكتشف أنه في «فِـرى» من تعرفت عليهم في مطالع دنياك، ثم كان من مخاللتهم ما زاد مطمعك بها، فما أُنس يتم عِقده إلا بمحضرهم، لأن المرء قليل بنفسه كثير بأحبابه، هذا عدا أنهم أقاموا صروحا لهم بين جوانحك، فما أن تلتفت يمينا أو شمالا إلا وألفيتهم ملأوا عليك سهل حياتك.. والجبلُ.
لكن حين يمضي فإذ حميمية ما كان تتناقص، نعم، قد لا يكون حضوره قبلها مباشرا، لأنك مقدّر.. أكان بين تلك ظروف، أو صروف ليس بمَلك أحدكما دفعها، كـ(دنيا يروم المرء يصيبها)..
لكن ولأنك -والحمد لله- يتردد في عالمك أنفاسه، ويصلك من أخباره.. ما لا تضيق بعدها من دواعي بُعده.
ما تقدم جزئية تقريب لمن (اليوم) بين يدي ربه، وأعني به الحبيب الأليف، والطيب اللطيف مقام الأخ «محمد بن رميان الرميان» ربي يرحمه، فها هو اليوم يغيب وقد كان المشاطر لأنسك والمكثّف لسحائبها، فما تعطش إلا واغطش تواجده مطرا عليك، وربما أرعدت سحائبه إن أخذت العلاقة السبات.. منبئة لإيقاظك، مناديةً لتشرئب بمحضرها شميم الحياة، وحُق لي وصفه بل عداده في ثلّـة أولئك، فكذا هو منابت بذره في تربة القلب.. من توالفه ومن ثم تألفه، فلا يمسي كمالة للعدد، بل عدّة احتفاء عمر غمرك، ألا يكفيك منها أنها في الأتراح تًكمّلك، وفي الأفراح.
.. تُزينك؟، فحسبك أنهم أكثر من يفرحوا بالأولى لك، وفي الأخرى همُ سند.. لك وردف.
فأنت حين لمثواهم تشيعهم.. تُحس كمن يشيع بعض منهم، ألا يقال مجازا مضيّ العمر مؤذناً بنقصك المعنوي، فذاكم الحدث هو انقضاء لبعضك مادياً، ما تبلغ يوم تتحسس بعيده تناقصهم -لا سمح الله- كأن طابقك (وصف) أبو العتاهية:
إذا ما مضى القرن الذي أنت فيهم
وخلّـفت في قرن.. فأنت غريب
أجل، لأن من عرفنا بهم الدنيا -كما تقدم- نخاف بعيـدهم أن نُمسي ننكرها.. كالغرباء!
ورحم الله المنفلوطي.. يوم سطّر جملة مؤدّاها (قد كان كل ما أسعد به في هذه الحياة أن أعيش بجانب ذلك الإنسان الذي خاللته، أما وقد حيل بيني وبينه، فلا آسف على شيء بعده)، بل إن لم يأسف المرء (بدون جزع.. بالطبع) لتقلّب الحدثان لكأنه كالصخر جلمدا، فلا يلومنّ «مجنون ليلى» يوم التمس العِوض عن مثله، بصدر بيتٍ.. ثم أضمر في (العجز) ما أرومه:
خَليلَيَّ إِن لا تَبكِيانِيَ أَلتَمِس
خَليلاً إِذا أَنزَفتُ دَمعي بَكى لِيا
ولعل هذا جانب مجلّي للخوف (الخفي) الذي يغشى من يبلغ «أرذل العمر..»!، وقد استعاذ من مرحلته نبينا محمد صلى الله عليه وسلّم، لأنه مشاهدٌ حال من وصلها وكأنه (فاق)، فلم يجد بالربع من أحدٍ..!
و.. تحديداً ذاك الجيل الذي بيوم صبّحت الدنيا يوم أشرقت شمسه هو بينهم، ثم ما عهدها -من بعد- إلا بهم، و..لأن تخلّف هو عن الركب يمسي كالغريب أو الغريق الذي يتزهّل من لا يعرفه لينقذه!، لا لشيء يفعل معه هذا، إلا لشهامة نابته.. لا أكثر، وهذه التي ثقلها يزيد على الفؤاد وقعها كـ(.. القاصمة للظهر)!
فهل تقبل أن تُعامل بحالة من الرأفة، ليس وراءها لُحمة تواصل؟، معاذك ربي ورحماه، بل.. كلنا نستجير به -سبحانه- من مبلغها.
على أن هذا المنحى (ومع) ما تقدّم من تأطير حول (فقد) الغالين.. هو أعز وجوه التندم الذي أشار لإحداها الشريف الرضي.. في فراقه ديار أحبته:
إذا ما فاتك التفات إلى الماضي
فقد (غاب) عنك وجه التأسي
فما الحال مع من يفارق الأحبة أنفسهم؟
والتأسي هو (ما تأسى عليه).
وهنا يأتي دور العاقلة التي أدركت باكرا أن الأسى بحق.. يوم (..يقرضك الله عمرًا حسنًا، تَحُفُّه الصحّة ويملؤه الفراغ، ثم تبدّده في معارك هامشية، وأهداف سطحية، وميادين تافهة)! لتدرك لكن بعد أن تُهدرَ سنينك وتكبو ركابك أنها (لا تستحق)، والمرام أن من الآن أنـخ عزائمك من تتبع سجالا لا طائل يرجى وراءه، على الأقل تغنم زهرة الدنيا، وتلمس السعد الذي في جوانبها.
.. والعزاء الأكبر بترديد وبكل تـسليم {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، وحسبنا نحن أهل الإيمان.. ما بعد هذه -أي بنفس الآية- {..أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ..} وأي خير بعد صلوات ربي ثم الرحمة على من يتقبّل ويرضى، عدا ما لا يخفى ما به النفس تحفى، وهي الـ(بُـشرى) التي في صدر ذات الآية.
.. ثم يأتي العزاء الأقلّ ذاك المخبر أن الدنيا (وإن طالت) تبقى صغيرة، حقيرة المشاهي -أمام الأخرى-، فالموعد الحق (الجنة).. يا ربّ..
اعمل لدار غداً رضوان خازنها
والجار أحمد والرحمن ناشيها
... الخ، قال «عمر بن علي»:
كتبتُ إلى صديقٍ لي أُشَاوره في شيء مِن أمر الدنيا، فكتبَ إليّ (اطلُب الدنيا على قَدر مُكْثِكَ فيها، واطلُب الآخرة على قَدر حاجتِكَ إليها) بهجة المجالس.
... رحمك ربي (أبا رميان)، إني لأكاد أجزم أنك ممن عُرف عنه أن سلمه التروّي، وعُهد عنه الهدوء، فيما الابتسامة ولا أُماري كالجبلّة فيه.. لا مصانعةً، والسبب أنه (رحمه المولى تعالى) أخذ الدنيا بمعاول ما عُلم عنها، وما تسنّى أبدا عن هذه المزية أو يرضى بها بدلاً.. حتى مضى إلى ربه.. وبكل تلك العذوبة لثمناها من تلقائياته، فكان الفقد موجعاً.. وما كاد يبرح منّا أيّ من المشاعر وهي تنثر، أو نستكثرها عليه.
فهو ممن رحيلهم يلقي بظلاله على من حولهم تأثراً.. ما قد يبلغ ذاك التأثير آماداً.
فعليك الرحمات هنّ معنا.. لك مشيعات، ومرفوعات إلى رب البريات - سبحانه -.