خالد محمد الدوس
في زحمة الحياة العصرية وانشغال الإنسان بسباق التطور والتقدم، يغفل الكثيرون عن أعظم كنز نملكه على وجه الأرض، ذلك الكنز الذي يحيط بنا من كل جانب، ويمنحنا الحياة بكل تفاصيلها، إنها بيئتنا التي وهبنا الله إياها أمانة في أعناقنا، وجعلها مسخّرة لنا، فهل نحن حقاً مدركون لقيمة هذا الكنز الثمين؟
البيئة ليست مجرد أشجار تتنفس، أو مياه تجري، أو هواء نتنفسه..!، إنها نظام متكامل بديع الصنع، يضم في طياته ملايين الأنواع من الكائنات الحية، ويوفر للإنسان مقومات الحياة من غذاء وكساء ودواء. إنها المعين الذي لا ينضب، والملجأ الذي نلوذ إليه حين تضيق بنا الأرض بما رحبت. ففي جمال الطبيعة سكينة للنفس، وفي تنوع الكائنات درس في التوازن، وفي تعاقب الفصول حكمة إلهية تتجلى كل يوم.
يتكون هذا الكنز العظيم من عناصر متكاملة، لكل منها دوره الحيوي في استمرارية الحياة. فالماء هو سر الحياة، ذلك السائل العجيب الذي يشكل أكثر من سبعين بالمائة من كوكبنا، وهو الشريان الذي يمد كل كائن حي بالحياة. والهواء النقي هو نسمات الرحمة التي تملأ رئاتنا فتغذي خلايانا، والتربة هي (الأم الحنون) التي تمنحنا الغذاء وتحتضن بذورنا فتنبت خيراً وعطاءً.
والأغرب في أمر هذا الكنز أنه متجدد، ولكنه ليس بلا حدود، فهو كالنبع الذي إن أحسنا رعايته زاد عطاؤه، وإن أسأنا إليه نضب أو تلبد. والتنوع الحيوي في بيئتنا هو ثروة لا تقدر بثمن، فكل كائن حي، مهما كان صغيراً، له دوره في دورة الحياة، وفي الحفاظ على التوازن البيئي الذي نعم به.
إن قيمة البيئة تتجاوز كونها مجرد مصدر للطعام والشراب، فهي تمتد لتشمل الجوانب الروحية والنفسية والاقتصادية.فمن منا لم يشعر بالسكينة والطمأنينة وهو يتأمل غروب الشمس خلف الجبال..! أو يستمع إلى خرير الماء في جدول، أو يشم عبير الزهور في حديقة غناء؟ الطبيعة هي ملاذ النفس البشرية، وهي الملهم الأول للفنانين والشعراء والفلاسفة.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن البيئة هي الأساس الذي يقوم عليه (الاقتصاد الأخضر)، فمواردنا الطبيعية هي رأس مالنا الحقيقي، والاستثمار فيها بحكمة يضمن لنا مستقبلاً مزدهراً. السياحة البيئية، والزراعة المستدامة، والطاقة المتجددة، كلها قطاعات واعدة تعتمد على بيئة سليمة متوازنة.
ولكن، ها هي أيادينا العابثة تمد إلى هذا الكنز، فتلوث مياهه، وتفسد هواءه، وتقطع أشجاره، وتصيد حيواناته. إن التلوث البيئي بجميع أنواعه، من تلوث الهواء والماء والتربة، إلى التلوث الضوضائي والبصري، كلها تهدد وجود هذا الكنز الثمين. والتغير المناخي الذي نشهده اليوم، بارتفاع درجات الحرارة، وذوبان الجليد، وزيادة حدة العواصف والفيضانات، هو نتيجة حتمية لسوء تعاملنا مع بيئتنا.
نحن نستهلك موارد الأرض وكأننا نملك غيرها، وننتج نفايات تفوق قدرة الطبيعة على تحليلها، ونطلق غازات تهدد الغلاف الجوي. وفي غمرة انشغالنا بتحقيق الرفاهية المادية، ننسى أن هذه الرفاهية لا معنى لها في بيئة مريضة، فالصحة البيئية هي أساس صحتنا جميعاً، وما يصيب بيئتنا من خلل لا بد أن ينعكس على صحتنا النفسية والجسدية.
إن الحفاظ على بيئتنا ليس خياراً، بل هو واجب ديني وأخلاقي وإنساني. لقد حثنا ديننا الحنيف على عدم الإفساد في الأرض، وقال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فليغرسها»، هذا يدل على عظمة الأجر في العمار والإصلاح، حتى في آخر لحظات الحياة.
ومن مسؤوليتنا تجاه هذا الكنز أن نغير نمط حياتنا، وأن نتبنى مبادئ الاستدامة في كل شئوننا. فترشيد استهلاك المياه والطاقة، والحد من استخدام المواد البلاستيكية، وإعادة التدوير، ودعم المنتجات الصديقة للبيئة، كلها خطوات بسيطة لكنها مؤثرة. كما علينا أن ننشر الوعي البيئي بين أبنائنا وأفراد مجتمعنا، وأن نطالب المؤسسات والشركات بتبني سياسات صديقة للبيئة.
وهكذا تظل (بيئتنا) أغلى ما نملك، ووعينا بحمايتها هو»الاستثمار الحقيقي» الذي لا يخسر. فالمال ينفد، والعمر يمضي..! لكن الأثر الذي نتركه في أرضنا يبقى شاهداً على حضارتنا. فلنكن (حراساً أوفياء) لهذا الكنز، لا مسرفين فيه، ولنعمل جميعاً بصوت واحد وفعل واحد من أجل مجتمع أكثر خضرة ونقاءً.