د.عبدالله الفايز
من بين المشاريع الوطنية الكبرى التي قد تبدو اليوم طموحة وربما غير تقليدية، يبرز تصور إنشاء قناة مائية تربط الخليج العربي بمدينة الرياض باعتباره مشروعاً استراتيجياً متعدد الأبعاد، لا يقتصر على نقل المياه، وإنما يعيد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية والعمرانية والبيئية للمملكة العربية السعودية. تقوم الفكرة على إنشاء قناة تبدأ من ميناء العقير على الخليج العربي، مروراً بمحافظة الأحساء، وصولاً إلى مدينة الرياض، بطول يقارب 360 كيلومتراً، لتصبح العاصمة متصلة مباشرة بالبحر لأول مرة في تاريخها. تكمن أكبر التحديات الهندسية في فرق المناسيب، إذ يقع ميناء العقير قريباً من مستوى سطح البحر، بارتفاع يقارب 30 متراً، بينما تقع الأحساء على ارتفاع يقارب 140 متراً، ثم يرتفع المسار تدريجياً حتى يصل إلى مدينة الرياض الواقعة على ارتفاع يقارب 600 متر فوق سطح البحر، أي أن المشروع يتطلب رفع المياه بحوالي 570 متراً تقريباً على امتداد المسار. ورغم أن هذا الارتفاع يبدو كبيراً، إلا أنه لا يمثل عائقاً تقنياً في ظل التطورات الحديثة في تقنيات الضخ والطاقة المتجددة. فبدلاً من الاعتماد على عدد محدود من محطات الضخ العملاقة، يمكن تصميم المشروع اعتماداً على آلاف محطات الضخ الصغيرة والمتوسطة الموزعة على امتداد القناة، بحيث لا يتجاوز الرفع في كل محطة عدة أمتار فقط. ويحقق هذا الأسلوب مزايا عديدة، منها زيادة الاعتمادية، وتقليل مخاطر تعطل النظام بالكامل، وتبسيط أعمال الصيانة، وخفض تكلفة المعدات الثقيلة، إضافة إلى إمكانية تشغيل كل محطة بصورة مستقلة باستخدام الطاقة الشمسية. ويعد هذا الحل مناسباً بشكل خاص للمملكة، التي تمتلك أحد أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم، حيث يمكن إنشاء مزارع شمسية موازية للقناة لتغذية مضخات الضخ بالطاقة الكهربائية خلال ساعات النهار، مع استخدام البطاريات أو الضخ أثناء فترات الإنتاج المرتفع للطاقة الشمسية، مما يقلل بصورة كبيرة من الاعتماد على الشبكة الكهربائية الوطنية ويخفض تكاليف التشغيل والانبعاثات الكربونية. كما يمكن توزيع الألواح الشمسية على طول مسار القناة لتقليل الحاجة إلى خطوط نقل كهرباء طويلة، وتحويل القناة نفسها إلى ممر للطاقة النظيفة.
ومن الناحية الهندسية، يمكن أن يتكون المشروع من عدة قطاعات، يبدأ أولها من ميناء العقير حتى الأحساء، ثم يتدرج الارتفاع تدريجياً عبر سلسلة من محطات الضخ والخزانات المرحلية حتى يصل إلى الرياض. ويمكن إنشاء خزانات استراتيجية كل 20 إلى 30 كيلومتراً تعمل كمحطات توازن هيدروليكي، بحيث تضمن استمرار التدفق حتى في حال توقف إحدى محطات الضخ مؤقتاً. كما يمكن استخدام أنظمة التحكم الذكية (SCADA) وتقنيات الذكاء الاصطناعي والتوأم الرقمي (Digital Twin) لمراقبة الضغوط والتدفقات وجودة المياه واستهلاك الطاقة بصورة لحظية، مما يرفع كفاءة التشغيل ويخفض تكاليف الصيانة. وإذا افترضنا نقل نحو مليون متر مكعب من المياه يومياً، فإن الطاقة النظرية اللازمة لرفع هذه الكمية لمسافة رأسية تبلغ حوالي 570 متراً تساوي تقريباً1.55 جيجاوات ساعة يومياً كحد أدنى نظري، بينما مع احتساب كفاءة المضخات والخسائر الهيدروليكية التي قد تصل إلى 70–75 %، فإن الاستهلاك الفعلي قد يتراوح بين 2.0 و2.3 جيجاوات ساعة يومياً، أي ما يعادل قدرة تشغيلية متوسطة تبلغ نحو 90–100 ميجاوات. وهذه القدرة يمكن توفيرها من خلال محطات طاقة شمسية بقدرة تتراوح بين 500 و700 ميجاوات، وهو رقم يعد متواضعاً مقارنة بالمشروعات الشمسية العملاقة التي تنفذها المملكة حالياً.
أما من ناحية التكلفة، فإن إنشاء قناة بهذا الطول يعتمد على عرضها وعمقها ونوعية التربة والمنشآت المصاحبة. وبالاستناد إلى تكاليف مشروعات القنوات العالمية ومحطات الضخ، يمكن تقدير التكلفة الإجمالية الأولية للمشروع نظرا لان المسار مناطق رملية وليس بها صخور كثيرة، بحدود80 مليار ريال سعودي)، وتشمل أعمال الحفر، وتبطين وعزل القناة، والجسور، ومحطات الضخ، والخزانات، وأنظمة التحكم، ومحطات الطاقة الشمسية. وقد ترتفع التكلفة إذا تقرر إنشاء أجزاء مغطاة أو أنفاق أو أقفال مائية (Locks)، إلا أنها تظل ضمن نطاق المشروعات الوطنية العملاقة التي تنفذها المملكة في إطار رؤية السعودية 2030. وفي حالة الضخ عبر انابيب ستكون التكلفة اقل بكثير وقد تصل الى 50 مليار. وعند مقارنة المشروع بمشروعات عالمية مشابهة، نجد أن قناة كاليفورنيا المائية (California Aqueduct) في الولايات المتحدة تنقل المياه لمسافة تزيد على 700 كيلومتر، وترفعها أكثر من 600 متر باستخدام سلسلة من محطات الضخ العملاقة وبتكلفة حوالي 100مليار ريال، بينما ينقل مشروع جنوب – شمال نقل المياه في الصين مئات الملايين من الأمتار المكعبة يومياً لمسافات تتجاوز ألف كيلومتر، ويعد من أكبر مشاريع نقل المياه في العالم. كما أن مشروع النهر الصناعي العظيم في ليبيا نقل المياه الجوفية عبر آلاف الكيلومترات في ظروف صحراوية قاسية، وهو دليل آخر على إمكانية تنفيذ مشاريع مائية ضخمة عندما تتوافر الإرادة السياسية والقدرة التمويلية.
إلا أن القيمة الحقيقية لهذا المشروع لا تقتصر على نقل المياه فقط، بل تمتد إلى خلق محور تنموي جديد يربط شرق المملكة بوسطها، ويوفر فرصاً للاستثمار في السياحة، والنقل، واللوجستيات، والزراعة الذكية، والطاقة المتجددة، والعقارات، والصناعات الجديدة. ويمكن أن تتحول ضفاف القناة إلى شريط عمراني أخضر يضم حدائق ومتنزهات ومناطق ترفيهية ومرافئ داخلية، مما يغير البيئة الحضرية للعاصمة ويخفض درجات الحرارة المحلية ويعزز جودة الحياة. كما يمكن دمج المشروع مع محطات تحلية مياه البحر على ساحل الخليج، بحيث يتم ضخ المياه المحلاة إلى الرياض، في حين تستخدم مياه البحر نفسها لأغراض صناعية أو سياحية أو بيئية في أجزاء محددة من القناة وفق دراسات بيئية دقيقة. ويمكن كذلك استغلال فرق المناسيب في بعض المقاطع لإنشاء محطات كهرومائية صغيرة لاستعادة جزء من الطاقة أثناء حركة المياه داخل النظام. يمكن الاستفادة من مسار القناة لوكانت مفتوحة بحيث يتم تنفيذ بحيرة كبيرة قبل مدينة الرياض وتكون مساحتها كبيرة وخاصة حول منطقة هيت وربطه بوادي حنيفة. مما يقلل من طول وارتفاع القناة. حيث يمكن الاستفادة من الكورنيش حول البحيرة كمدينة مارينا لانشطه ترفيهية وفنادق تعطي عائد لصيانة المشروع. بالاضافة الى مساهمة البحيرة في تقليل جفاف جو المدينة ويساعد على ترطيب المدينة وتقليل الحرارة. ورغم أن هذا المشروع يحتاج إلى دراسات جيولوجية، وهيدرولوجية، وبيئية، واقتصادية تفصيلية قبل اتخاذ أي قرار، فإنه يمثل نموذجاً للرؤية المستقبلية التي تجمع بين الهندسة والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والتخطيط الحضري والتنمية الاقتصادية. وفي عصر أصبحت فيه المشاريع العملاقة أداة لإعادة تشكيل الاقتصادات والمجتمعات، فإن التفكير في ربط الرياض بالخليج العربي لم يعد مجرد حلم هندسي، بل فكرة تستحق الدراسة العلمية الجادة لتقييم جدواها الاقتصادية والاستراتيجية والبيئية، وما يمكن أن تضيفه إلى مستقبل المملكة خلال العقود القادمة.
** **
- البحث والدراسة والرسومات البيانية من إعداد الكاتب
قناة الرياض جي بي 22