فائز بن سلمان الحمدي
ليس أفسد على العلم من رجل أصاب منه أطرافا وفاتته أصوله؛ فامتلأت أذنه بالأقوال، وفرغ قلبه من موازينها، ثم حسب أن العلم كثرة ما يروى، وأن الفقه غرابة ما يحكى، وأن الرجل لا يكون في الناس شيئا حتى يأتيهم بما لم يسمعوا، ويحدثهم بما يستغربون.
فإذا سمع قولا شاذا تلقفه تلقف الجائع للقمة، لا يسأل: أحق هو أم باطل؟ أراجح أم مرجوح؟ أمطلق أم مقيد؟ أهو قول يفتى به، أم أثر طوته كتب الخلاف؟ وإنما حسبه من القول أن يكون غريبا، ومن الرأي أن يكون مخالفا، ومن العلم أن يفتح به أفواه العامة دهشة!
ثم يخرج إلى المجالس وقد حمل تلك الشاردة كأنما يحمل فتحا من فتوح العلم؛ فيلقيها في أذن هذا، ويهمس بها إلى ذاك، ويستطيل بها على ثالث، ثم يقول في نشوة المتبجح: «وفي المسألة قول!» حتى تصبح الكلمة التي كانت حبيسة كتاب بين قيودها وأدلتها سائبة في أفواه الناس؛ لا قيد معها ولا دليل، ولا أصل يحكمها ولا فقيه يردها إلى موضعها.
وهنا تبدأ جناية نصف العلم على العلم كله؛ فإن الجاهل الصريح يستر جهله الناس منه، أما هذا فقد ألبس الجهل ثوب المعرفة؛ فلا هو بالعامي فيعذر، ولا بالعالم فيبصر، وإنما أخذ من العلم جرأة الكلام، ولم يأخذ منه ورع العلماء.
ولقد أقام الله للكلمة ميزانا تهتز له نفس من عرف قدر الحساب، فقال سبحانه: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}. فيا لله! كم من كلمة خفت على لسان صاحبها وثقلت في ميزانه، وكم من شاردة ألقاها رجل في مجلس ثم قام عنها، وبقيت هي جالسة بعده في القلوب؛ تنتقل من صدر إلى صدر، ومن مجلس إلى مجلس، حتى ينسى الناس أول من أطلقها، ولا تنسى صحيفته أنها خرجت منه!
وإن من الناس من يخاف أن ينسب إلى رجل كلمة لم يقلها، ولا يخاف أن ينسب إلى دين الله حكما لم يفقهه؛ ويتثبت في خبر دنياه مخافة أن يخدع، فإذا كان الخبر عن الحلال والحرام أخذته خفة الرواية، فصار سمعه بابا لا حارس عليه، ولسانه طريقا لا حاجز فيه. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» رواه مسلم. فليس الكذب أن يختلق الرجل القول من عند نفسه فحسب؛ بل قد يكفي من جنايته أن يجعل نفسه بريدا لكل كلام: يسمع فيحمل، ويحمل فينشر، ثم لا يدري أهدى إلى الناس علما أم ألقى فيهم فتنة.
والعلم أجل من أن يكون طرائف مجالس، وأعز من أن يكون غرائب يتملح بها المتكلمون؛ إنما العلم دين يدان الله به، ونور تبصر به القلوب، وميزان تعرف به منازل الأقوال. ولهذا قال الله جل شأنه: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}. فجمع لك السمع الذي تلقيت به، والفؤاد الذي وعيت به، ثم أقام عليك من قولك شاهدا؛ فمن أين يفر امرؤ من تبعة كلمة دخلت من سمعه بغير تثبت، ومرت على قلبه بغير فقه، ثم خرجت من لسانه بغير ورع؟
وليس كل خلاف علما للعامة، كما ليس كل دواء غذاء للأصحاء؛ فإن من مسائل العلم ما إذا بقي في أيدي العلماء كان خلافا تحرسه الأصول، فإذا انتزعه نصف متعلم من سياقه وألقاه في العامة صار شبهة لا يحرسها شيء. يكون عند الفقيه قولا له دليله ومأخذه، فيصير عند ناقله ذريعة للاضطراب؛ ويكون عند العالم رخصة لها شروطها، فيصير عند متتبعها بابا للهوى. وهكذا تنتقل المسألة من ميزان العلم إلى فوضى المجالس، لا لأن القول تغير، ولكن لأن اليد التي حملته لم تكن من أهله. وما أكثر الذين يظنون أن قولهم: «المسألة خلافية» قد أعطاهم مفتاحا يفتحون به كل باب! كلا؛ فليس الخلاف فوضى، وليس وجود القول دليل صحته، ولا غرابته برهان عمقه، ولا نسبته إلى عالم عصمة له من الخطأ. وإنما يعرف منازل الأقوال من عاش بين أدلتها وأصولها، وعرف عامها وخاصها، ومطلقها ومقيدها، ومدارك العلماء ومآخذهم فيها. أما أن يقطف الرجل ثمرة من شجرة لا يعرف أصلها، ثم يطوف بها على الناس يصف لهم طعمها؛ فتلك صناعة المتطفلين، لا طريقة الراسخين. ولذلك كان العالم كلما ازداد علما ازداد للكلمة مهابة؛ لأنه يرى وراء الحرف عاقبته، ووراء القول أثره، ووراء الفتوى دينا يتعبد الله به خلق من عباده. وأما قليل العلم فيرى الكلمة ولا يرى ما وراءها، ويرى أول الطريق ولا يبصر منتهاه؛ ومن هنا كانت الجرأة في كثير من الأحيان بنت الجهل، وكان التوقف ثمرة البصيرة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» متفق عليه. فالصمت في موضعه ليس عيا، ولكنه فقه العاقبة؛ وكم من عالم سكت لأن وراء صمته علما، وكم من متعالم تكلم لأن وراء كلامه فراغا! ورب رجل لم يزد المجلس كلمة، ولكنه خرج منه وقد صان قلوبا من شبهة؛ ورب رجل ملأ المجلس حديثا، ثم خرج وقد ترك في كل قلب سؤالا لا يعرف له جوابا. فذاك سكت بعلم، وهذا تكلم بجهل؛ وبينهما ما بين البصيرة والغرور.
فيا من ظفرت بشاذ الأقوال، لا تفرح به فرح الصبي بلعبته؛ فإنك لا تدري أجمرة حملت أم جوهرة. ويا من سمعت خلافا، لا تجعل صدور العامة حقلا لكل ما تسمع؛ فإن الكلمة بذرة، ورب بذرة أنبتت شجرة من الشبهات، ثم مات زارعها وبقي شوكها في الناس. وقد قال سبحانه: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ}. فاحذروا سماسرة الغرائب في مجالس الناس؛ أولئك الذين لا يروقهم من العلم محكمه، وإنما تروقهم شوارده، ولا يحملون إلى المجالس ما يبني اليقين، وإنما ما يصنع الدهشة؛ كأنهم لا يريدون أن يقول الناس: «هذا علم»، بل أن يقولوا: «من أين عرف هذا؟».
وتلك آفة النفس إذا دخلت على العلم: أن تطلب بالحق حظها من الخلق، وأن تتخذ من المعرفة سلما إلى المنزلة، ومن الخلاف زينة للمجلس، ومن غرائب المسائل شاهدا على فضل صاحبها. وما العلم بهذا؛ إنما العلم خشية قبل أن يكون عبارة، وبصيرة قبل أن يكون رواية، وأمانة قبل أن يكون شهرة. وقد قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء}. فإذا لم يزدك علمك خوفا من أن تقول على الله بغير علم، ولم يزد لسانك تثبتا، وقلبك تواضعا، وعقلك بصيرة بمقادير الأقوال ومآلات الكلام؛ ففتش عما جمعته: أهو علم استقر في قلبك، أم ألفاظ ازدحمت على لسانك؟ إن العلماء لا يتجرون بالخلاف، ولا يتزينون بالشاذ، ولا يقيمون لأنفسهم في مجالس العامة عروشا من غرائب المسائل؛ فالعالم يحمل العلم فيهون به نفسه، والمتعالم يحمل المسألة فيضخم بها نفسه؛ العالم إذا علم رأى أمانة، وهذا إذا علم رأى فرصة؛ العالم يسأل: ماذا يصلح للناس؟ وهذا يسأل في خبيئة نفسه: بماذا أدهش الناس؟ وهنا تعرف الفرق كله. فليس العلم أن تعرف ما قيل؛ ولكن أن تعرف من قال، ولم قال، وبماذا قال، وما الذي يعارض قوله، وما منزلته من الحق، وما أثر نشره في الناس. وليس الفقه أن تجمع الخلاف، ولكن أن تملك ميزان الخلاف. وليس الورع أن تصمت عما تجهل فحسب، بل من تمام الورع أن تعرف متى تصمت عما تعلم.
فالعلماء حراس المعاني، لا سماسرة الأقوال؛ وأمناء الشريعة، لا تجار الغرائب؛ وحملة مصابيح، لا حملة شرر. ورب كلمة رفعت صاحبها في مجلس ساعة، ثم وضعته في ميزان الحق دهرا؛ ورب صمت لم يلتفت إليه أحد من الناس، وكان عند الله أثقل من مجلس ضج بالقول كله. فطوبى لمن عرف للكلمة قدرها قبل أن ينطق بها، وللعلم حرمته قبل أن يتصدر به، ولقلوب الناس حقها قبل أن يجعلها مسرحا لشوارد الأقوال؛ فإن الرجل قد يقوم من المجلس وينفض ثوبه من غباره، ولكنه لا يستطيع أن ينفض صحيفته من كلمة أطلقها.
وقد ينتهي صوته عند باب المجلس، وتبدأ فتنته من هناك.