د. راشد بن حسين العبدالكريم
تطوير المعلم هو حجر الأساس لتطوير التعليم. فالمعلم المتميز يستطيع أن يعوض النقص أو الضعف في أي عنصر من عناصر العملية التعليمية. فهو قادر على تكميل ما قد يكون في المنهج (المقرر) من نقص، ويستطيع، بشيء من الجهد والإبداع، أن يعوض فقر البيئة التربوية أو عدم ملاءمتها. وتطوير أداء المعلم متطلب ضروري لزيادة تحصيل الطلاب، وتحقيق المدرسة لأهدافها. فكثير من الأبحاث (مع الخبرات المهنية) تؤكد أن المعلم عامل أساس وفاعل في زيادة تحصيل الطلاب.
وتطوير المعلم يندرج تحت (الإشراف التربوي)، وهو منطقة تركيزه، وهو الحلقة الأصعب في عملية الإشراف التربوي. ومع أن المعلم قد يستفيد ذاتياً من الذكاء الصناعي في تطوير أدائه، إلا أني في هذا المقال سوف أركز على الذكاء الصناعي بوصفه أداة من أدوات الإشراف التربوي.
يتركز عمل المشرف التربوي لتطوير أداء المعلم في ثلاثة مجالات رئيسة: المجال الأول، الزيارة الصفية (وهي الإشراف الصفي)، حيث يكون تركيز المشرف التربوي على تحسين عمليات التدريس، ومعالجة مشكلاته، خاصة العمليات الأساسية، التي تشترك فيها بشكل عام كل التخصصات وكل الأنشطة التعليمية. يلاحظ المشرفُ المعلم بناء على آلية واضحة، وبأدوات محددة، ليرصد ويشخص جوانب معينة من أداء المعلم سعياً لتطويره. ويعطيه تغذية راجعة عن أدائه، ويوجهه أو يعمل معه على خطوات تطويرية محددة. يقدم الذكاء الصناعي أفكارا لرسم خطة إشرافية لملاحظة المعلم وتطوير أدائه. ويوظف بيانات تحصيل الطلاب، ونتائج أدوات الملاحظة الصفية في بناء برامج تطويرية وتقديم تغذية راجعة للمعلم (وللمشرف).
المجال الثاني أنشطة النمو المهني التي تقام في المدرسة (مجتمع التعلم)، والتي تشمل أنشطة جماعية، من أنشطة النمو المهني التعاوني المختلفة، مثل تدرّب الأقران، أو حلقات النقاش، أو حلقات «بحث الدرس»، أو البحث الإجرائي. فهذه فرص تعاون ونمو مهني مشتركة بين المعلمين، تُبنى على احتياجات المعلمين الفعلية، يتشارك فيها المعلمون داخل المدرسة يكون هدفها الأساس تطوير المعلمين شخصيا ومهنيا، أي أنها لا ترتبط ارتباطا مباشرا بأداء المعلم المعين داخل الصف - كما في المجال الأول - إنما تنمي الجوانب المهنية والشخصية المساندة لذلك، وفي النهاية يتوقع منها أن تعود، وإن بشكل غير مباشر على أدائه داخل الصف.
يمكن للمشرف أن يوجه المعلمين ويدربهم على بناء برامج نمو مهني مخصصة لكل منهم بناء على احتياجاته. فعندما يريد المشرف تدريب معلم على طريقة تدريس ما، أو أسلوب في التدريس، أو يريد تعليمه مفهوما جديدا في تخصصه، فيمكن له من خلال كثير من نماذج الذكاء المشهورة بناء برنامج (تعليمي) للمعلم، بأهداف واضحة، وطريقة تناسب تعلّم الكبار، مع تقويم تكويني وختامي موضوعي، ويزوده نموذج الذكاء بتقرير عن أدائه. ويمكن يكون هذا التقرير مجال مناقشة بين المعلم والمشرف، فيكون بذاته فرصة للنمو المهني. ولدى الذكاء الصناعي قدرة على اكتشاف الأنماط المتكررة من الصعوبات أو المشكلات لدى المعلمين الذين يعمل معهم، وهذا مفيد أيضا للمشرف في عمل حلقات نقاش عامة حول هذه الصعوبات المشتركة. وقد أفرد كثير من نماذج الذكاء أقساما خاصة بـ(التعلم)، مهيأة للتعليم والتدريب، تتكيف بسهولة لاحتياجات المتعلم، وقد تغني كثيرا من المعلمين عن الالتحاق ببرامج تدريبية.
المجال الثالث: حل المشكلات، فلا يكاد يخلو معلمٌ من مشكلات مهنية أو تدريسية (أو شخصية). وكثير من المعلمين يفشل أو يواجه صعوبة في حل تلك المشكلات. ومن أكبر معوقات نمو المعلم مهنياً وشخصياً وجود تلك المشكلات في بيئة العمل، حيث تمنعه من التركيز على عمله أو تهدر طاقته وقدراته فتشتت انتباهه وتمنعه من تطوير نفسه. من المهام الرئيسة للمشرف التربوي مساعدة المعلم بشكل مباشر، أو غير مباشر، على حل تلك المشكلات، بل وتطويره لكي يكتسب مهارات حل المشكلات، أو على الأقل التعايش معها. يمكن للمشرف عمل ذلك بمساعدة الذكاء الصناعي. فالذكاء يسهم في تشخيص المشكلة، حال تزويده بالمعلومات المناسبة، ويطرح حلولاً، ويناقش فيها، ويقدم للمعلم (والمشرف) تغذية راجعة عن عملية حل مشكلته. بل يمكن أن ينظم المشرف التربوي، باستخدام الذكاء الصناعي، برنامجاً تعليمياً تدريبياً للمعلم (أو للمعلمين، كل على حدة) في أي مجال يرى أنه سيحل تلك المشكلة. فمثلا، من السهل الآن مع الذكاء الصناعي الدخول في برنامج تعليمي حواري عميق عن مشكلات إدارة الصف، أو التعامل مع الطلاب المشاغبين، أو التعامل مع بطيئي التعلم، أو اكتساب مهارة تدريس معينة. ويمكن للذكاء الصناعي تعزيز هذا الحوار بالجداول والصور ومقاطع الفيديو أو المحاضرات، ونحو ذلك.
وهناك مجال رابع وإن كان يمكن أن يدخل في المجال الثاني، إلا أني أفرده بمجال خاص لأهميته، وهو تطوير أداء المعلم فيما يخص استخدام الذكاء الآلي. فالذكاء الآلي يمكن أن يقدم للمعلم مساعدة كبيرة، ويمكّن المعلم في عمله، ويطور من أدائه. لكن هذا مشروط بامتلاك المعلم للمعارف والمهارات (الأساسية على الأقل) اللازمة للتعامل مع الذكاء الصناعي. وأرى أنه من المسؤوليات الملحة على المشرفين التربويين في السنوات القادمة هي (تطوير مهارات المعلمين للتعامل مع الذكاء الصناعي).
ومن جوانب تطوير المعلم فيما يتعلق بالذكاء الصناعي التأكيد على الجوانب الأخلاقية في هذا المجال. فالذكاء الصناعي فيه جوانب تثير قلق الكثير من التربويين، مثل خصوصية الطالب والمعلم، والتحيز (بقدر ما تمليه عليه البيانات التي تدرّب عليها!)، وكذلك قضايا الدقة والأمانة العلمية وحفظ الحقوق الفكرية للآخرين.
لا أقول إنه لا يمكن التدريس بفعالية إلا بوجود الذكاء الصناعي، أو حتى التقنية، فليسا، عندي، شرطاً لنجاح التدريس، بل يمكن أن يدرّس المعلم بفعالية وإمتاع دون تقنية ودون ذكاء صناعي. ما أقوله هو أن الذكاء الصناعي يخدم المعلم، يساعد في تطوير أدائه، خاصة المعلم المتوسط الأداء، فمن هو أقل.
كما أن الذكاء الصناعي لن يكون بديلا للمعلم مع طلابه، فلا يُتوقع أن يكون بديلاً عن المشرف التربوي مع المعلمين. فهناك دائماً، على الأقل في المستقبل المنظور، عامل أخلاقي قِيْمي شعوري (إنساني) لا يمكن للآلة مهما بلغت أن تقوم به بنفس الفاعلية. لكن مما لا شك فيه أن الآلة كما ساعدت من قبل بقوتها، يمكن أن تساعد كثيراً بذكائها، في الجوانب التي تُحسِنها، بما علمها الإنسان، مما علمه الله.
** **
- جامعة الملك سعود