خالد الأنصاري
لقد اعتنى علماء الإسلام بفقه السياسة الشرعية، وعدّوه من أشرف أبواب الفقه وأدقها ؛ إذ به تُصان المصالح، وتُدرأ المفاسد، وتُحفظ مقاصد الشريعة في الدين والدنيا.
والسياسة الشرعية ليست علماً نظرياً مجرداً، ولا كتاباً يُقرأ، وإنما هي ميراثٌ من العلم الراسخ، وخبرة تتراكم بالممارسة، وتزيد مع الزمن، وحكمة تنضج بالتجربة، وبصيرة تستشرف المآلات الشرعية، وفقه عميق لنصوص الشريعة ومقاصدها، مع إدراك لواقع الناس وأحوالهم.
والمتأمل لسيرة شيخنا العلامة معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ -حفظه الله- يجد أمامه نموذجاً للفقيه السياسي، ورجل الدولة، الذي جمع بين التأصيل الشرعي الرصين، والوعي الدقيق، والإدراك العميق، لفقه الدولة ومصالحها، فكان ينطلق في آرائه ومواقفه من أصول الشريعة، مع فقهٍ للمآلات، واستحضارٍ للمصالح العامة، وإحاطةٍ بواقع العصر ونوازله ومتغيراته، بعيداً عن الاندفاع أو الجمود، جامعاً بين ثبات الأصول وحكمة التنزيل.
وشيخنا -حفظه الله- جمع بين العلم الشرعي، والخبرة الإدارية المتراكمة، وممارسة السياسة من خلال مراعاة المقاصد والمصالح والمآلات، مع المحافظة على المنهجية والتأصيل الشرعي.
وقد تقلد منصب الوزارة في وقت حرج للغاية وظروف ساخنة إذ وافق بعد ذلك بعدة أشهر أحداث 11 سبتمبر، فأصبح هناك الكثير من تسليط الضوء من قبل الساسة والإعلاميين الغرب ولا سيما في أمريكا وأوروبا على المؤسسات الدينية والشرعية بالمملكة وبالذات وزارة الشؤون الإسلامية.
فكانت مرحلة عصيبة جداً في التحدي الفكري والسياسي، وحينها ظهرت حنكة شيخنا العلمية والسياسية في إدارة تلك الأزمة ؛ حيث التقى وقتها بوفد صحفي أمريكي يضم ثلاثين صحفياً في جلسة واحدة، فكانت إجاباته لهم بكل ثقة، إجاباتٌ سياسيةٌ عميقة، بتأصيلات وتقعيدات شرعية متينة، تنبئ عن عقلية رجل الدولة، وفكر العالم الفقيه، بين خلالها رسالة الإسلام وموقف الدولة تجاه الأحداث والرد على المغرضين، ودافع عن قيم الإسلام، وما قامت عليه المملكة العربية السعودية أحسن دفاع.
يا شيخَنا بالشَّرعِ تُبنى خُطاكُمُ
وعلى البصائرِ يُستقامُ المقصِدُ
جمعتَ فقهَ النصِّ وفقهَ مآلِهِ
فغدا بكَ النهجُ القويمُ يُؤيَّدُ
ولم تكن رؤيته السياسية وليدة منصب، ولا ثمرة تجربة إدارية فحسب، بل كانت امتداداً لتكوينٍ علمي راسخ، وقراءةٌ واسعة في نصوص الوحي، وسير الأنبياء، وتجارب الخلفاء، وعبرٌ من تاريخ الأمم، مع إلمامٍ بواقع العالم المعاصر، مما أكسب خطابه اتزاناً، وأحكامه عمقاً، ونظرته شمولاً.
وإذا كان الفقيه الشرعي هو من يُحسن فهم النصوص، فإن الفقيه السياسي هو من يُحسن تنزيلها على الوقائع، ويدرك فقه الموازنات، ويقرأ مآلات الأمور قبل وقوعها، فيضع كل أمر في موضعه، ويمنح كل مصلحة قدرها، من غير إخلال بثابت، ولا تفريط في أصل.
ياشيخنا فقهُ السياسةِ عندكمْ
مبنِيٌّ على نُورِ الشريعةِ يُقتفى
ولهذا لم يكن علماء الإسلام ينظرون إلى السياسة الشرعية على أنها فن الإدارة فحسب، أو علمٌ تُحصَّل مسائله في الكتب، وإنما كانوا يعدونها ثمرة اجتماع العلم بالشريعة، وفقه الواقع، وبعد النظر في العواقب، وسعة التجربة، وقوة البصيرة.
فإن السياسة علمٌ يُؤصل، وحكمةٌ تُمارس، وسعةُ أفقٌ، وبعد نظرٍ، ومسؤوليةٌ تُحمل، قبل أن تكون منصباً يُتقلد.
ياشيخنا سُسْتَ الأمورَ بنظرةٍ
فغدا السدادُ على يديكَ يُنالُ
وإن الناظر في سيرة شيخنا معالي الشيخ العلامة صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ -حفظه الله- يجد أنه يمثل هذا النموذج المتكامل بحذافيره ؛ فقد اجتمع له رسوخ القدم في العلوم الشرعية، والاطلاع الواسع على تراث السلف، مع معرفة دقيقة بواقع العصر، وإدراك لطبيعة الدول ومؤسساتها، واستيعاب للتحولات السياسية والفكرية التي يشهدها العالم الإسلامي.
وقد أكسبته كفاءته وحكمته ثقة ولاة الأمر، منذ عهد الملك فهد بن عبد العزيز، مرورًا بعهد الملك عبد الله بن عبد العزيز -رحمهما الله- وصولًا إلى هذا العهد الميمون، عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وسمو ولي عهده الأمين، الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- ولم تكن تلك الثقة إلا ثمرةً لما عُرف به من سداد الرأي، ورجاحة العقل، ورسوخ العلم، وحنكةٍ في إدارة القضايا العامة، واقتدارٍ في أداء المهام الموكلة إليه.
وهذا يدل على حصافة فكره، وعلو كعبه السياسي، ومتانة علمه.
ولعل أبرز ما يميز منهج شيخنا السياسي أنه لا ينطلق من ردود الأفعال، ولا من الحماسة المجردة، وإنما من أصول علمية متجذرة راسخة، تجعل النص الشرعي هو المنطلق، ومقاصد الشريعة هي الميزان، وتحقيق المصالح ودرء المفاسد هو الغاية، مع استحضار دائم لفقه المآلات الذي يعد من أجلِّ أبواب الاجتهاد عند علماء الإسلام.
فإذا السياسةُ في يديكَ عبادةٌ
وإذا المآلُ يضيئهُ الإسلامُ
وقد أتاح له الجمع بين العمل العلمي والعمل التنفيذي أن يربط بين النظرية والتطبيق، فكانت آراؤه في السياسة الشرعية بعيدة عن المثالية المنفصلة عن الواقع، كما كانت أيضاً بعيدة عن الواقعية التي تتنازل عن الثوابت.
فجمع شيخنا بين أصالة المنهج، ومرونة التطبيق، واستطاع أن يقدم نموذجاً للعالم الذي يشارك في صناعة القرار، وهو ثابت على أصوله، مدرك لحدود اختصاصه، واعٍ بمسؤوليته الشرعية والوطنية.
ومن يستمع إلى محاضراته العلمية، أو يقرأ كلماته المتميزة الوسطية، يلحظ حضور مفهوم الدولة في فكره بوصفها وعاءً لحفظ الدين، وتحقيق الأمن، وصيانة الحقوق، ورعاية المصالح العامة، بعيداً عن التصورات الضيقة التي تختزل السياسة في الصراع على السلطة، أو في التيارات الحزبية والفكرية المتعددة.
ولذلك ظل شيخنا -حفظه الله- يؤكد أن السياسة الشرعية إنما غايتها إقامة العدل، وحفظ الجماعة، وتعزيز الأمن والاستقرار، وتحقيق مصالح الأمة في ضوء الكتاب والسنة.
وليس من المبالغة القول إن شيخنا معالي الشيخ صالح آل الشيخ - رعاه الله- يمثل امتداداً لمدرسة العلماء الذين جمعوا بين الفقه والإدارة، وبين التأصيل والتنزيل، وبين قوة الحجة وحكمة الموقف، من أمثال الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب، وسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمهم الله تعالى- وهي مدرسة قلَّ رجالها في هذا العصر، لأن الجمع بين العلم الشرعي العميق، والخبرة المؤسسية، والرؤية الإستراتيجية، ليس أمراً يتيسر لكل أحد من أهل العلم والمعرفة.
ولعل الأجيال القادمة ستحتاج إلى دراسة تجربة شيخنا دراسةً علميةً موضوعية، لا بوصفه وزيراً أو مسؤولاً فحسب، بل بوصفه فقيهاً سياسياً استطاع أن يقدم نموذجاً معاصراً للعالم الذي يعيش عصره، ويفهم واقعه، ويظل في الوقت نفسه أميناً على أصول الشريعة ومقاصدها، جامعاً بين حكمة العلماء، وخبرة رجال الدولة الحكماء، وبعد نظر الساسة الفقهاء.
إضـــــاءة
إن الفقه السياسي الذي تميز به شيخنا معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ -حفظه الله- هو الذي جمع بين البعد الشرعي التعبدي، والبعد الواقعي العملي، إذ يستمد أصوله من القرآن والسنة، ويراعي في الوقت نفسه متغيرات الواقع السياسي والاجتماعي.