سلطان بن نايف الحربي
كانوا يقولون لنا: إن الإنسان القوي هو الذي يصبر، ويتحمل، ويتجاوز، ويصفح، ويعيد المحاولة. لكن أحداً لم يخبرنا أن بعض الاحتمال قد يتحول مع الزمن إلى طريقة مهذبة لإيذاء النفس، وأن الإنسان قد يعتاد المكان الخطأ حتى يظنه قدره، ويعتاد الأذى حتى يسميه خبرة، ويعتاد الصمت حتى يحسبه حكمة.
وهكذا مضت أعمارنا.
لا في الطرق التي اخترناها، ولا في المغامرات التي حلمنا بها، بل في إصلاح ما لم نكسره، والدفاع عن أخطاء لم نرتكبها، وشرح أنفسنا أمام أشخاص لم يكونوا يريدون أن يفهمونا أصلاً.
كم من طاقة أهدرت ونحن نحاول إقناع من قرر مسبقاً ألا يقتنع؟
الإنسان قادر على التكيف مع أشياء كثيرة. وهذه القدرة التي أنقذته عبر آلاف السنين قد تتحول أحيانا إلى فخ. فالمرء لا يتأقلم مع الجمال فقط، بل يمكنه أن يتأقلم مع القبح أيضاً.
يتأقلم مع الظلم، والعلاقة المؤذية، والمدير السيء، والأسرة المضطربة، والصديق الذي يستنزفه، والمكان الذي يطلب منه كل يوم أن يكون شخصاً آخر.
ثم يأتي وقت يظن فيه أن كل هذا طبيعي.
وهنا تبدأ الكارثة بهدوء.
فالبيئات المستنزفة لا تهدم الإنسان عادة بضربة واحدة. إنها لو فعلت ذلك لكان الهرب منها أسهل. إنها تفعل شيئا أكثر دهاء: تستهلكه بالتقسيط.
تأخذ قليلا من ثقته اليوم، وقليلا من حماسه غدا ثم تنتزع منه عفويته، ثم شغفه، ثم قدرته على الفرح من دون سبب.
وفي النهاية يبقى واقفاً.
يذهب إلى عمله، يؤدي واجباته، يرد على الرسائل، يبتسم حين ينبغي أن يبتسم.
ويقول لمن يسأله: أنا بخير.
ولعل هذه الجملة من أكثر الجمل التي كذب بها البشر على أنفسهم.
فنحن لا نكون بخير لمجرد أننا ما زلنا قادرين على الاستمرار.
أحيانا... لا يكون الإنسان حيًّا بالمعنى الحقيقي، بل يتحول إلى مدير للأضرار.
يصحو فلا يسأل: ماذا أريد اليوم؟
بل يسأل عمّا ينبغي أن يتجنبه، وما الذي عليه أن يبرره، وأي مشكلة يجب أن يطفئها، وأي جزء من نفسه عليه أن يخفيه كي يمر اليوم عليه بسلام.
عندها تتحل الحياة من مشروع إلى حالة طوارئ.
وهنا لا يعود السؤال: هل نجونا؟
بل: ماذا أخذت منا النجاة؟
قد تكون أخذت سنوات، وهذا واضح.
لكن السنوات ليست أفدح الخسارات،
فالزمن يمضي على الجميع. الخسارة الأثقل ليست السنوات التي مضت؛ بل ذلك الإنسان الذي كان يمكن أن نكونه ولم تتح لنا لحياة أن نكونه.
كم من فكرة لم نمنحها فرصة لأن رؤوسنا كانت مشغولة بمشكلات ليست مشكلاتنا؟
وكم من مرة قلنا لأنفسنا: ليس الآن حتى تحولت هذه الجملة إلى تاريخ كامل؟
هذه هي الخسارة التي لا تظهر في التقويم.
نحن لا نفقد سنوات من عمرنا فقط.
نحن نفقد احتمالات.
نفقد نسخاً منا كان يمكن أن تكون أكثر خفّة، وأكثر شجاعة، وأقل خوفاً من غضب الآخرين، وأكثر قدرة على اختيار حياتها بدل الاكتفاء عنه.
كان يمكن أن نصبح أشخاصاً آخرين.
لكننا كنا مشغولين بالنجاة.
ولعل أخطر ما يفعله المكان الذي يستهلك الإنسان أنه لا يجعله يشك فيه، بل يجعله يشك في نفسه.
هل أنا حساس أكثر من اللازم؟
هل أبالغ.
هل المشكلة فيَّ؟
هل ينبغي أن أتحمل أكثر.
ومع الوقت يتغير السؤال من «لماذا يعاملونني هكذا؟» إلى: «ما الخطأ فيَّ حتى يعاملونني هكذا؟».
وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة يكون الاستنزاف قد بلغ أقصى درجاته؛ لم يعد بحاجة إلى من يؤذيه، فقد صار يقوم بالمهمة نيابة عن الآخرين.
ومع ذلك، فإن الوعي وإن جاء متأخراً يظل نوعاً من الإنقاذ.
قد نستيقظ في الأربعين، أو الخمسين، أو حتى الستين، ونكتشف أن جزءاً كبيراً من حياتنا قد مضى ونحن نحاول التأقلم مع أشخاص وأماكن لا تشبهنا.
إن هذا الاكتشاف موجع، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مأتم طويل العمر.
فالزمن لا يعيد لنا ما أخذه. ولا فائدة من أن نقضي ما بقي من الحياة في الحزن على ما مضى منها.
السؤال الجاد الآن ليس: لماذا ضاعت كل تلك السنوات؟
بل: ماذا سنفعل بما بقي لنا من العمر؟
قد لا نستطيع استرداد الماضي، لكننا نستطيع أن نمنعه من سرقة المستقبل أيضاً.
يمكننا أن نتوقف عن إصلاح ما لم نكسره.
عن تبرير ما لا ينبغي تبريره. عن الوقوف طويلاً أمام أبواب أغلقت نفسها في وجوهنا.
وعن الاعتقاد أن كل انسحاب هو هزيمة، وأن كل احتمال هو بطولة، وأن كل صمت هو حكمة.
فالنضج الحقيقي قد لا يكون في قدرتنا على تحمّل المزيد.
ربما يكون في قدرتنا أخيرا على القول: «يكفي».
فليس أشد ما نندم على أن العمر مضى.
بل إن جزءاً منه مضى ونحن نعيش بنصف أنفسنا، ونظن أن هذا هو معنى القوة.
والحقيقة أبسط، وأقسى، وأكثر رحمة في الوقت نفسه.
لسنا هنا لكي نتقن فن النجاة فقط.
نحن هنا لكي نعيش.