صالح الشادي
تخيل أنك فيلسوف، تقضي أيامك في الساحات العامة تطرح الأسئلة الوجودية على من تلقى، وتعيش حياة الزهد والبساطة. ثم تعود إلى منزلك لتجد زوجة تصغرك بسنين، تنتظرك بجردل ماء وسلاطة لسان!
مرحباً بك في حياة سقراط مع زانثيبي، تلك المرأة التي ضُرب بها المثل في «النكد» الفلسفي منذ العصر الإغريقي.
وصفها تلاميذ سقراط بأنها «الزوجة الأكثر صعوبة وقسوة وألمًا وسوء مزاج»، إذ تزوجها الفيلسوف وهي صغيرة سن من بيئة لا علاقة لها بعالم الفكر والتأمل ، مما جعل حياتهما الزوجية أشبه بمسرحية كوميدية لا تخلو من طرافة، وإن كانت طرافتها على حساب رأس سقراط المبلل!
لا يمكن إنكار الجانب السلبي الظاهر في علاقتهما، فهي كانت سليطة اللسان قليلة الرضا والقناعة تجادله وتعاتبه حتى أمام تلاميذه، وفي أشهر حادثة رويت عنه، سكبت جردل ماء على رأسه دون مقدمات وهو خارج من السوق. بل إن سقراط نفسه كان يهرب من البيت قبل الفجر ولا يعود إلا بعد المغيب، وكأن منزله تحول إلى ساحة حرب ينطلق منها فارساً نحو ميادين الفكر! لكن الأطرف من ذلك هو رد فعل هذا الفيلسوف الهادئ، فبدلاً من الغضب كان يبتسم بهدوئه الأسطوري، وعندما سُئل عن سبب تحمله لها، أجاب بأنها تجعله فيلسوفاً وحكيماً، فهي كانت «مدرسة الصبر» اليومية التي لم تمنحه إجازة طوال عمره، ويا لها من مدرسة عنيفة المنهج لكنها فعّالة النتائج!
هنا يكمن السؤال المنطقي: هل كان لزانثيبي تأثير إيجابي حقيقي على فكر سقراط؟ الإجابة بنعم مدوّية، ولكن بطريقة غير مباشرة وملتوية كالتواءات جدالاتها. فلو لم تكن زانثيبي بتلك «الصعوبة» الفائقة، لما تدرب سقراط على ضبط النفس والهدوء أمام أشد الاستفزازات، وتخيل معي فيلسوفاً يواجه خصومه في الساحة ببرود أسطوري وهو مدرب يومياً على تحمل «إعصار» منزلي عنيف! بل إن الصمت أصبح لديه فضيلة فلسفية بامتياز، إذ يُنسب إليه قوله إنه مدين لهذه المرأة لأنها علمته أن الحكمة في الصمت والسعادة في النوم. والأعمق من ذلك أن زانثيبي كانت تمثل «النقيض» الفلسفي لكل ما يدعو إليه سقراط من عقلانية ومنطق، وهذا التضاد العنيف هو ما صقل شخصيته الجدلية، فكما يقول المثل وتعرفه الفلسفة جيداً، لا تُعرف قيمة النور إلا في خضم الظلام الدامس.
لكن لكل من يظن أن قلب زانثيبي كان من حجر أو جردل ماء بارد، يكفي أن ننظر إلى مشهدها الأخير معه في السجن بعد أن حُكم عليه بالإعدام، فقد كانت هناك تبكي بحرقة وتنتحب كأي زوجة تخشى فراق زوجها. لقد أحبته، ولكن على طريقتها الخاصة والصاخبة، مما يذكرنا بأن الفلسفة ليست مجرد أفكار مجردة تطفو في السماء، بل هي حياة تُعاش بكل تناقضاتها، حتى أن بعض الباحثات الحديثات يرين في زانثيبي رمزاً لتهميش المرأة في التاريخ الفلسفي، وليس مجرد «زوجة شريرة» كما صوّرها التراث الذكوري الساخر.
في الخلاصة المنطقية، لم تكن زانثيبي مجرد تأثير سلبي أو إيجابي، بل كانت الاثنين معاً في آن واحد؛ سلباً بجعل حياته المنزلية جحيماً يومياً، وإيجابياً بمنحه أعظم تدريب عملي على فضيلة الصبر والحكمة. ولو لم تكن زانثيبي «تلك الزوجة» بالذات، لما كان سقراط «ذلك الفيلسوف» الأسطوري الذي نعرفه، فهي لم تكن مصدر إلهامه المباشر، بل كانت مصدر اختباره اليومي والأكثر إيلاماً. وفي النهاية، تبقى الحقيقة الفلسفية الأجمل أن الأفكار العظيمة لا تولد في هدوء المكتبات، بل في خضم معارك الحياة اليومية، حتى لو كانت تلك المعركة مع زوجة تحمل جردل ماء وسلاطة لسان لا تعرف الكلل!