خالد بن عبدالرحمن الذييب
يُروى أن ثعلباً وقع في مصيدة، فتظاهر بالموت. وعندما اقترب منه الصياد، اكتفى بقطع أذنه، والثعلب لا يحرّك ساكناً؛ حفاظاً على بقائه. ثم أتى صيادٌ آخر، ورأى أن يأخذ لسانه، ومرّ ثالث فقرر أخذ أسنانه، والثعلب على حاله مدّعياً الموت، إلى أن جاء صيادٌ رابع ولم يجد في الثعلب ما يأخذه سوى قلبه! هنا أظلمت الدنيا في عيني الثعلب، فالقلب لا بديل له، فانتفض سريعا، وكسر القيد ونجا بنفسه.
هذه القصة - على ما فيها من شوائب ـ تحمل فكرة عميقة توضح السلوك الإنساني. فعندما تقرؤها، يتبادر إلى الذهن سؤال: ما الذي كان يمنع الثعلب من اتخاذ قرار الفرار منذ اللحظة الأولى؟ الجواب ببساطة: «وهم كثرة الخيارات». وما الذي جعله يتخذ قراراً خاطفاً بالفرار في النهاية؟ ببساطة أيضاً: «انعدام الخيارات».
في التجربة الأولى، كانت حسابات الربح والخسارة لديه حاضرة: الأذن لها بديل ما دمت «على قيد الحياة»، فلتذهب وأسلم بالبقية! أتى الصياد الثاني ليطلب اللسان، فعادت المعادلة ذاتها: «الحياة مقابل اللسان»، إذن سأحتفظ بالحياة.
وهكذا تنازل أكثر وأكثر، لأن القائمة تحتوي أجزاء يُمكن التضحية بها. أما وقد وصل الأمر إلى القلب، إلى الحياة نفسها التي تنازل عن أجزائه من أجلها، هنا سقطت خيارات المساومة، فكسر المعادلة ونجا، واكتشف أن فعل النجاة كان ممكناً منذ الخطوة الأولى! كذلك الإنسان، يتعرض لخيارات محفوفة بالخسائر، لكن وجود «بدائل آمنة» خادع ويؤدي إلى الرضى بالواقع وتوازناته. لكن حين تُسلب البدائل، ويستشعر أن الخطر وصل إلى «قلب وجوده، أمانه، أو مصدر رزقه»، ولا يبقى ما يخسره، ينتفض في وجه الظروف، متجاوزاً وهم الخوف، يقبل بأول خيار، وربما يخوض أعتى المعارك التي كان يهرب منها سنيناً.
أخيراً...
مهما اختلفنا أو اتفقنا على صحة هذا السلوك، ولكنه يبقى حقيقة إنسانية لا مفر منها.
ما بعد أخيراً...
الخوف، أخطر سلاح يضعه الإنسان أمام طموحاته..