أمل حمدان الشريف
ليست الحضارات بما تشيده من عمران، ولا بما تحققه من أرقام، وإنما بما ترسخه من قيم. وحين تتأمل المجتمعات التي استطاعت أن تحافظ على تماسكها واستدامة عطائها، ستجد أن الامتنان لم يكن فيها خلقًا فرديًا عابرًا، بل ثقافة عامة، تُنصف الإنسان، وتُعلي من قيمة الإخلاص، وتحفظ للجهد مكانته.
إن الشكر ليس مفردة لغوية تُقال في ختام مناسبة، ولا بروتوكولًا اجتماعيًا تفرضه المجاملات، بل هو وعيٌ أخلاقي يعترف بأن الإنجاز لا يولد من فراغ، وأن وراء كل نجاح أيديًا عملت، وعقولًا فكرت، وقلوبًا آمنت بالفكرة حتى أصبحت واقعًا. وما أكثر الذين يصنعون الفارق بصمت، ثم يمضون دون أن يلتفت إليهم أحد.
وحين يغيب التقدير، لا يخسر الإنسان ثناءً كان ينتظره، بل يخسر المجتمع قيمةً من أعظم قيمه؛ إذ يتسلل الإحباط إلى النفوس، ويبهت الحماس، ويغدو العطاء واجبًا ثقيلًا بعد أن كان رسالةً تُؤدَّى بمحبة. وليس غريبًا أن تنطفئ بعض الطاقات، لا لعجزها عن الإبداع، بل لأنها لم تجد من يقول لها: لقد رأينا ما صنعت، ونقدّر ما بذلت.
ولذلك، فإن المؤسسات التي تُجيد صناعة الإنسان قبل صناعة الإنجاز، تدرك أن التقدير ليس رفاهية إدارية، ولا ترفًا تنظيميًا، بل ركيزة من ركائز النجاح. فالكفاءات لا تبحث دائمًا عن المكافآت، بقدر ما تبحث عن بيئة تحفظ كرامتها، وتعترف بقيمتها، وتمنحها الشعور بأن أثرها محل تقدير.
وقد اختصر الإسلام هذه الفلسفة من منطلق:
«من لا يشكر الناس لا يشكر الله». إنها قاعدة تُعيد ترتيب الأولويات، وتجعل الاعتراف بالفضل جزءًا من منظومة القيم التي يقوم عليها المجتمع؛ لأن الوفاء لا يُقاس بما نقدمه لأنفسنا، بل بما نحفظه للآخرين من حقوق معنوية لا تقل شأنًا عن الحقوق المادية.
نحن اليوم لا نحتاج إلى زيادة كلمات الشكر بقدر حاجتنا إلى ترسيخ ثقافة التقدير. ثقافة تبدأ من الأسرة، وتترسخ في المدرسة، وتزدهر في بيئة العمل، وتنعكس في مؤسسات المجتمع كافة. فحين يشعر الإنسان أن جهده مرئي، وأن أثره محفوظ، يتحول العطاء إلى عادة، ويصبح الإبداع خيارًا دائمًا، لا استثناءً مؤقتًا.
ولعل أجمل ما في الشكر أنه لا يغيّر الماضي، لكنه يصنع المستقبل. فهو لا يمنح صاحبه شعورًا بالامتنان فحسب، بل يزرع في الآخرين رغبةً متجددة في البذل، ويؤسس لعلاقات تقوم على الاحترام، ويصنع بيئات ترى في الإنسان أغلى استثمار، وفي الاعتراف بعطائه أرقى صور الوفاء.
فما أحوجنا إلى مجتمعٍ لا يكتفي بصناعة الإنجازات، بل يُجيد أيضًا الاحتفاء بصُنّاعها؛ لأن الشكر، حين يتحول إلى ثقافة، لا يكرّم أفرادًا بعينهم، وإنما يرتقي بذائقة المجتمع كلها، ويجعل الوفاء قيمةً راسخة لا استثناءً عابرًا.